تقف سوريا أمام تحدٍ أمني وقومي بليغ للغاية في هذه المرحلة المفصلية والحساسة من تاريخها المعاصر، حيث تنشط الخلايا النائمة والفارين من أتون تنظيم «داعش» الإرهابي لاستغلال التبعات التراكمية لسنوات الصراع الطويلة والهشاشة الخدمية في المناطق الحدودية والنائية، في محاولة يائسة لإعادة إنتاج الفوضى واستهداف السكينة العامة للمواطنين ومؤسسات الدولة الوطنية.
وفي تطور ميداني دراماتيكي يعكس جسامة المخاطر المحدقة بالبلاد، شهدت بلدة رنكوس التابعة لمنطقة القلمون الغربي بريف دمشق الغربي اشتباكات أمنية مسلحة وعنيفة إثر عملية مشتركة حاسمة نفذتها قوى الأمن الداخلي بالتعاون الوثيق والمباشر مع جهاز الاستخبارات العامة ضد بؤرة إرهابية خطيرة تابعة لتنظيم “داعش”.
وأسفرت المواجهات المباشرة عن مقتل عنصرين من قوى الأمن السوري وإصابة 5 آخرين بجروح مختلفة، خلال اقتحام أوكار الخلية التي وُجد بحوزتها ترسانة كبيرة من الأسلحة المتنوعة والعبوات الناسفة المجهزة للتفجير الفوري.
وتكشف المعطيات الميدانية والمصادر المحلية الموثوقة، أن عناصر هذه الخلية يمثلون نموذجًا صارخًا للفلول الإرهابية العائدة من منطقة البادية أو الوافدين عبر الشبكات العابرة للحدود، الذين انتهزوا أوقات الفوضى والتغيرات الميدانية للعودة والتمركز في المناطق الجبلية الوعرة.
إن هذه التطورات الميدانية المتسارعة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن معركة استئصال شأفة الإرهاب في الساحة السورية لم تنتهِ بهزيمة التنظيم الميدانية السابقة، بل تحولت إلى حرب استخباراتية وأمنية معقدة ومستمرة ضد خلايا نائمة تسعى لإشعال الفتن والتمدد في الأقاليم المهمشة التي تعاني نقصًا خدميًا وتسللاً لشبكات تهريب السلاح والمخدرات والبشر والمواد الممنوعة.
ثغرات القلمون الغربي: تقاطعات تهريب السلاح والهشاشة الخدمية
وتكشف المصادر المحلية والمتابعة في منطقة القلمون الغربي، أن الشريط الممتد من بلدة معربة وصولاً إلى رنكوس والمحاذي للحدود اللبنانية بات يمثل ثغرة أمنية ناتجة عن سنوات التهميش الخدمي وتراكم السلاح غير الشرعي؛ إذ استغلت خلايا “داعش” شبكات تهريب المواد الممنوعة والمخدرات والجريمة المنظمة لبناء أوكار سرية وتخزين العبوات والعتاد العسكري.
وتستفيد هذه الخلايا الإرهابية من تضاريس المنطقة الجبلية المعقدة ومن بقايا ترسانات الأسلحة المسروقة خلال المراحل السابقة، لتمرير عتادها وتنفيذ عمليات خاطفة تستهدف النقاط الأمنية والمنشآت الحيوية والاستقرار الداخلي، مستفيدة من التغاضي الدولي والحدود المفتوحة.
وتؤكد المعطيات التحليلية والميدانية أن القضاء النهائي على هذه البؤر الإرهابية يتطلب استراتيجية استباقية ومزدوجة ترتكز على الضغط الأمني المكثف على المقرات والأوكار السرية، بالتوازي مع بسط الخدمات الأساسية وتنمية القرى والبلدات الحدودية للحد من قدرة العصابات والجماعات المتطرفة على تجنيد الشباب أو استغلال الفراغ الاجتماعي والمالي في تلك المناطق للعبث بأمن الدولة وبناء شبكات تهريب سلاح معقدة.
تقارير أممية وحقوقية 2024-2026: أرقام رسمية تفضح كلفة الإرهاب والسلاح بـ سوريا
تستند القراءات الحقوقية والدولية لأزمات سوريا والتهديدات الإرهابية إلى بنك معلومات وثائقي وأرقام صادمة أصدرتها المنظمات الأممية والهيئات المستقلة بين عامي 2024 و2026.
ووفقًا للتقرير الشامل الصادر عن فريق المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ولجنة تقصي الحقائق، فإن الهجمات المباغتة والعمليات الإرهابية التي نفذتها خلايا تنظيم “داعش” في البادية وريف دمشق وحمص والشرق السوري أسفرت عن مقتل وإصابة أكثر من 1400 مدني وعنصر أمني خلال العامين الأخيرين، مع توثيق زيادة بنسبة 35% في عمليات الاغتيال وزرع العبوات على الطرق العامة.
كما كشفت التحديثات المعتمدة الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ومجلس الأمن الدولي لعامي 2025 و2026، أن شبكات التهريب العابرة للحدود تسببت في تسريب أكثر من 120 ألف قطعة سلاح غير شرعي إلى الداخل السوري؛ مما أدى إلى تفاقم معدلات الجريمة المنظمة وتوفير أوعية لوجستية للخلايا العائمة بالتنسيق مع أطراف خارجية ومهربين.
وتؤكد هذه البيانات الرسمية الأممية أن دعم جهود الاستقرار في سوريا ومحاربة خلايا “داعش” والتنظيمات العابرة يمثلان ضرورة حتمية لحماية السلم والأمن الإقليميين والدوليين ومواجهة تحديات الإرهاب الممتد وإعادة بناء الاقتصاد الوطني.
حتمية الاجتثاث الشامل وتأمين الوطن
إن تكرار المخططات الإرهابية وضبط الأسلحة والعبوات الناسفة في رنكوس والحولة وحجيرة يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الخلايا المتبقية لتنظيم “داعش” تراهن على ثغرات الحدود والإنهاك الخدمي لإعادة فرض وجودها الدموي وتهديد المجتمع، مما يستوجب تظافر الجهود الوطنية والإقليمية لقطع شريان الإمداد التسليحي عن هذه الأوكار الإجرامية.
وتكشف حقائق الميدان والتقارير الأممية الموثقة أن حماية سوريا واستعادة أمن مواطنيها يتطلبان مواصلة الضربات الاستباقية الحازمة ضد بؤر الإرهاب، وتكثيف الرقابة على خطوط التهريب الحدودية، وتأمين المناطق المحررة بالخدمات والتنمية، لقطع الطريق تمامًا أمام أوهام عودة التنظيمات الإرهابية وصون وحدة وسيادة التراب السوري واستعادة بناء مؤسسات الدولة القوية والحديثة وتوفير بيئة أمنية تنموية تكفل العيش الكريم لكافة أبناء الشعب السوري.

