ذات صلة

جمع

كيف يغير التصنيف الأمريكي خارطة نفوذ الإخوان في أوروبا؟

لم يعد خافيًا على المتابع للشأن السياسي والأمني الدولي...

خطر داهم قرب مقرات اليونيفيل.. كيف اخترق حزب الله قواعد حفظ السلام الدولية؟

في منعطف استراتيجي بالغ الخطورة يعيد رسم خارطة الأمن...

جحيم صيف ليبيا: أزمة مياه خانقة وانقطاع متكرر للكهرباء في طرابلس

تتواصل المعاناة الإنسانية والمعيشية للمواطنين في العاصمة الليبية طرابلس...

دموع بصمت وألغام عابرة للطفولة.. كيف تسلب ممارسات الحوثيين مستقبل أطفال اليمن؟

في مشهد إنساني مفجع يعكس قسوة الصراعات المسلحة وتداعياتها...

البرهان والجيش السوداني في قفص الاتهام الأممي.. توثيق رسمي لجرائم انتهاك حقوق الطفولة

في منعطف مأساوي يعكس أعمق درجات الانهيار الإنساني والأخلاقي...

كيف يغير التصنيف الأمريكي خارطة نفوذ الإخوان في أوروبا؟

لم يعد خافيًا على المتابع للشأن السياسي والأمني الدولي أن شبكات تنظيم الإخوان المسلمين تعيش واحدة من أسوأ مراحلها التاريخية وأكثرها ارتباكًا، خصوصًا بعد الضربة الموجعة التي تلقتها قيادات الصف الأول في العواصم الأوروبية.

ففي تحول استراتيجي لافت يعكس تشددًا غير مسبوق في السياسات الغربية، جاءت القرارات الأخيرة لوزارة الخزانة الأمريكية لتضع حداً للعديد من الأطماع التنظيمية وتكشف عن خفايا وخبايا التمويل العابر للحدود.

هذا التصنيف الصارم لم يقتصر أثره على تجميد الأصول وحظر التعاملات المادية فحسب، بل امتد ليزلزل عرش التنظيم الدولي ويغير جذريًا خارطة التحالفات والصراعات الداخلية على زعامة ما يُعرف بـ”جبهة لندن”، مما يعيد رسم ملامح الحضور الإخواني في القارة العجوز برمتها في ظل وقائع وأرقام رسمية تكشفها تقارير دولية وأمنية حديثة.

زلزال العقوبات الأمريكية وشبكات التمويل العابر للحدود

أحدث القرار الأمريكي الأخير الذي أعلنه مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (أوفاك) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية في يوليو 2026 هزة ارتدادية واسعة داخل مفاصل التنظيم الدولي للإخوان، إثر إدراج القيادي البارز والأمين العام للتنظيم الدولي محمود الإبياري على قوائم العقوبات المرتبطة بالإرهاب.

وأكدت بيانات وزارة الخزانة والخارجية الأمريكية، أن هذا الإجراء جاء نتيجة ضلوع الإبياري وشخصيات أخرى مقيمة خارج مصر في إدارة شبكات معقدة لجمع الأموال والتبرعات لصالح مؤسسات وواجهات خيرية وهمية تحول جزءًا كبيرًا من أموالها لدعم الجناح العسكري لحركة حماس.

وبحسب تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت في يوليو 2026، فإن الإدارة الأمريكية لن تلاحق الإرهابيين فحسب بل ستضرب شبكاتهم المالية السرية وغطاءاتهم الخيرية بلا هوادة.

وتشير تقارير أمنية وبحثية إلى أن هذه العقوبات لا تستهدف شخص الإبياري بصفته الفردية، بل تستهدف “عقل التمويل” ومحفظة الجماعة المالية في أوروبا، ما يعني شل قدرة التنظيم على تحريك الأموال بحرية بين العواصم الأوروبية والشرق الأوسط، ورفع تكلفة البقاء التنظيمي إلى مستويات قياسية تجعل من الاستمرار بالآليات القديمة أمرًا مستحيلاً.

ارتباك الصراع القيادي على منصب القائم بعمل المرشد

تزامنت هذه الضربات المالية القاسية مع توقيت بالغ الحساسية داخل جماعة الإخوان في جبهة لندن، التي تستعد لترتيبات نهاية ولاية القائم بعمل المرشد الحالي صلاح عبد الحق في ديسمبر 2026، وفقًا للائحة الجماعة التي تقضي باختيار بديل بعد أربع سنوات من توليه المنصب خلفًا لإبراهيم منير أواخر 2022.

وكان محمود الإبياري يمني النفس باعتلاء هذا المنصب القيادي الرفيع، مستندًا إلى نفوذه الواسع داخل التنظيم الدولي وسطوة شبكاته المالية في أوروبا، فضلاً عن نجاحه مؤخرًا في إقصاء خصوم تنظيميين وتوسيع نفوذه على رابطة الإخوان المصريين بالخارج وتعيين موالين له مثل أحمد حمدي لإحكام السيطرة على أقطار أوروبا، إلا أن قرار إدراجه على قوائم الإرهاب الأمريكية بدد تمامًا هذه الآلام وأسقط مشروعه في الاستحواذ المزدوج على التنظيم الدولي والتنظيم المصري (الأم)، ليجد الإبياري نفسه خارج حسابات المنافسة الفعلية، ولتتغير بين عشية وضحاها الحسابات التنظيمية برمتها وسط مخاوف جارفة من ملاحقات أمريكية وغربية جديدة تطال باقي الوجوه البارزة.

التضييق الأوروبي والتقارير الرسمية: بيئة خانقة لتسلل الإخوان الناعم

تتقاطع هذه الضربات الأمريكية مع تحولات كبرى ومسار أوروبي متصاعد في ملاحقة شبكات الإسلام السياسي، توجتها تقارير رسمية وتشريعية ضخمة مثل التقرير الفرنسي البارز الذي نشرته السلطات في فرنسا، والذي أشار بوضوح إلى أن شبكات الإخوان تشكل تهديدًا صريحًا للتماسك الوطني والمؤسسات الأوروبية عبر التسلل الناعم تحت غطاء الجمعيات الخيرية والمراكز الثقافية ومؤسسات الشباب.

وأكدت تقارير لمركز دراسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في فيينا، أن الجماعة استغلت لعقود طويلة “منطقة رمادية” من الحريات القانونية في أوروبا لتأسيس منصات دعوية ومالية، إلا أن المناخ العام بات أكثر تشددًا.

ويكفي التدليل على ذلك بما تنفذه النمسا من حظر رسمي شامل للجماعة بموجب قانون مكافحة الإرهاب لعام 2021، فضلاً عن حزمة الإجراءات التشريعية الواسعة التي أقرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أواخر 2025 لتوسيع عقوبات تجميد الأموال ومحاصرة واجهات التنظيم.

هذه البيئة الأوروبية الخانقة، مدعومة بالقرار الأمريكي الأخير، تعني أن أي قيادي إخواني يتولى الواجهة في بريطانيا أو القارة الأوروبية سيجد نفسه محاصرًا بشبكة محكمة من الرقابة الأمنية والمالية الصارمة.

وهكذا، يعيد التصنيف الأمريكي كتابة المشهد الإخواني في أوروبا، محطمًا أحلام الحرس القديم، ودافعًا بالتنظيم نحو مزيد من التقوقع والتآكل التنظيمي تحت وطأة الضربات الأمنية والمالية المتلاحقة.