تواجه حركة النهضة التونسية، الذراع السياسي لتنظيم الإخوان المسلمين في تونس، المنعطف الأشد خطورة في تاريخها السياسي والعملي، حيث يقف القضاء التونسي على أعتاب إصدار أحكام تاريخية وفاصلة في القضية المعروفة إعلامياً بـ “الجهاز السري لحركة النهضة”.
هذا الملف الذي ظل لسنوات طي الكتمان والجاذبية السياسية، يُمثل اليوم المفتاح الرئيسي لتفكيك شفرات الاغتيالات السياسية واختراق مؤسسات الدولة الحساسة التي عاشتها البلاد طيلة العقد الماضي.
ومع اقتراب ساعة الحسم القضائي، تتجه الأنظار إلى المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة، التي أنهت دوائرها الجنائية المختصة في قضايا الإرهاب سماع المرافعات، لتضع التنظيم أمام مرآة الحقيقة القانونية التي طالما حاول قادته الهروب منها، مستخدمين وسائل المناورة السياسية ومقاطعة الجلسات القضائية كاستراتيجية أخيرة للإفلات من العقاب العادل.
تأتي هذه التطورات المتسارعة لتسلط الضوء على عمق الأزمة التي يعيشها التنظيم، خاصة بعد رفض زعيم الحركة راشد الغنوشي المَثول أمام هيئة المحكمة لاستجوابه، ومقاطعته المستمرة للجلسات منذ توقيفه في أبريل 2023.
وترى مصادر، أن هذا السلوك لا يعدو كونة محاولة يائسة ومكشوفة لمراوغة الرأي العام الداخلي والدولي، والإيهام المضلل بعدم شرعية المحاكمة، في حين أن القانون التونسي صريح في هذا السياق، إذ تواصل المحكمة إجراءاتها القانونية بشكل طبيعي لإصدار أحكامها غيابيًا بحق كل من يرفض المثول أمامها.
إن هذه المحاكمة المرتقبة لا تُمثل مجرد إجراء قضائي روتيني، بل هي بمثابة إعلان رسمي للنهاية القانونية والسياسية لحقبة هيمنت فيها الحركة على مقدرات تونس، وزرعت خلالها أجهزة موازية هددت كيان الدولة التونسية في الصميم.
اختراق مؤسسات الدولة التونسية وبناء الأجهزة الموازية للحركة
شهدت المرحلة التي أعقبت وصول حركة النهضة إلى سدة الحكم في تونس عقب أحداث عام 2011، استراتيجية ممنهجة ومدروسة لتفكيك بنية الدولة الوطنية وإعادة تركيبها بما يخدم المصالح التنظيمية الضيقة للحركة.
وتشير التقارير والتحقيقات القضائية، أن النهضة عمدت إلى استغلال قانون العفو التشريعي العام لدمج أكثر من 21 ألف عنصر من الموالين لها ولتنظيم الإخوان في مختلف قطاعات الوظيفة العمومية والوزارات السيادية، وعلى رأسها وزارتا الداخلية والعدل، بالإضافة إلى المؤسسات القضائية والنقابات الحيوية.
هذا التغلغل الواسع لم يكن بهدف الإصلاح الإداري، بل كان النواة الحقيقية لتأسيس “أمن موازٍ” يدين بالولاء التام للمرشد والتنظيم بدلاً من الولاء للوطن والدستور، مما أدى إلى إضعاف الأجهزة الأمنية الرسمية وشل قدرتها على حماية الأمن القومي.
ولم يتوقف الأمر عند التعيينات الإدارية، بل تجاوز ذلك إلى بناء منظومة استخباراتية وتجسسية متكاملة تدار بالكامل من خارج الأطر الرسمية للدولة التونسية.
وقد أكدت شهادات واعترافات مسؤولين بارزين، ومنهم وزير الداخلية الأسبق لطفي بن جدو، أن حركة النهضة كانت تمتلك أجهزة تنصت وتقنيات تجسس متطورة للغاية تفوق في قدراتها الفنية ما يمتلكه الجيش الوطني والأمن التونسي في ذلك الوقت.
هذه التجهيزات، التي كانت تأتي على شكل حقائب محمولة قادرة على التقاط وتتبع أكثر من 4000 مكالمة هاتفية في الوقت ذاته، كانت تنقل عبر سيارات مغلقة ومموهة لرصد تحركات الخصوم السياسيين، والإعلاميين، وحتى القيادات الأمنية التي لا تخضع لإملاءات الحركة، مما جعل الدولة التونسية برمتها تحت رحمة المراقبة الإخوانية المستمرة.
لغز وكر المروج وتورط مصطفى خذر في ملف الاغتيالات السياسية
تعتبر قضية “وكر المروج” التي تفجرت إثر مداهمة مدرسة لتعليم قيادة السيارات يملكها القيادي الإخواني مصطفى خذر عام 2015، نقطة التحول الجوهرية التي كشفت الغطاء عن الوجه المظلم لحركة النهضة.
فقد ضبطت الأجهزة الأمنية داخل هذا المقر وثائق غاية في السرية والخطورة، تشتمل على قوائم تفصيلية لآلاف العناصر الإجرامية في إقليم تونس الكبرى، متضمنة هوياتهم الكاملة، وأرقام هواتفهم، وسجلاتهم العدلية.
وتبين من التحقيقات أن خذر، الذي كان عسكريًا سابقًا وعضوًا في المجموعة الأمنية المتورطة في محاولة الانقلاب عام 1987، كان يشغل منصب المسؤول الفعلي عن البريد الخاص لوزير الداخلية الأسبق والقيادي بالنهضة علي العريض، على الرغم من عدم امتلاكه أي صفة رسمية أو قانونية داخل الوزارة تتيح له الاطلاع على تلك البيانات الحساسة.
وتؤكد هيئة الدفاع عن القيادي والسياسي التونسي الراحل شكري بلعيد، الذي اغتيل في السادس من فبراير 2013، أن ملف “الجهاز السري لحركة النهضة” هو جزء لا يتجزأ من الملف الأصلي للاغتيالات السياسية التي هزت استقرار البلاد.
فالوثائق التي جمعها مصطفى خذر لم تكن تقتصر على المجرمين، بل شملت تقارير استخباراتية مفصلة وعمليات رصد دقيقة لشخصيات سياسية وإعلامية معارضة للتنظيم.
ورغم صدور أحكام قضائية سابقة بحق مجموعات التنفيذ والاستقطاب والتخطيط في قضية بلعيد، إلا أن الحسم في ملف الجهاز السري، الذي يضم 35 متهمًا من بينهم 5 موقوفين و11 هاربًا خارج البلاد، يمثل الإدانة المباشرة للرأس المدبر والموجه لهذه العمليات الإرهابية التي استهدفت الفكر التنويري والسياسي في تونس.
جلسة الثلاثاء المرتقبة والسيناريوهات القانونية لنهاية إخوان تونس
يتطلع الشارع التونسي والقوى السياسية الوطنية ببالغ الاهتمام إلى الجلسة القضائية المقررة يوم الثلاثاء المقبل، والتي وصفتها الأوساط السياسية والقانونية باليوم الفصلي والتاريخي في مسار محاسبة تنظيم الإخوان.
فبعد أن استكملت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب استجواب بقية المتهمين المحالين بحالة سراح، بمن فيهم قيادات أمنية سابقة مثل محرز الزواري وفتحي البلدي وعبد العزيز الدغسني، باتت المحكمة جاهزة تماماً لإصدار أحكامها العادلة.
إن صدور هذه الأحكام لن يكون مجرد عقوبة جنائية لأفراد تورطوا في جرائم محددة، بل سيمثل ضربة قاصمة للبنية القانونية والسياسية للحركة، حيث ستوفر هذه الأحكام المستند القانوني الحاسم لتصنيف حركة النهضة كمنظمة إرهابية محظورة بقوة القانون، وتجميد كافة أصولها ومقراتها بشكل نهائي.
وفي ظل هروب قيادات بارزة ومؤثرة خارج البلاد مثل مصطفى خذر ورضا الباروني، ومقاطعة راشد الغنوشي للمحاكمة، فإن الأحكام الغيابية القادمة ستسقط آخر أوراق التوت التي حاول التنظيم الاختباء خلفها لسنوات طويلة.
لقد نجحت الدولة التونسية، من خلال تفعيل المسار القضائي المستقل والتمسك بسيادة القانون، في تفكيك أعقد جهاز سري موازٍ عرفته المنطقة في التاريخ الحديث، لتطوي بذلك تونس صفحة قاتمة من تاريخها ساد فيها الإرهاب والاغتيال واختراق مؤسسات الدولة، وتفتح صفحة جديدة عنوانها سيادة القانون واستعادة هيبة الدولة الوطنية الخالصة من أي تبعية تنظيمية عابرة للحدود.

