تستمر المأساة الإنسانية الكارثية في محافظة تعز اليمنية بالتفاقم تحت وطأة الحصار الحوثي الخانق المفروض على أحيائها وساكنيها، في واحدة من أبشع صور العقاب الجماعي والانتهاكات الصارخة للقانون الدولي الإنساني.
ومع دخول القيود الميدانية الشديدة أسبوعًا جديدًا من التصعيد، تكشف الوثائق والبيانات الصادرة عن المنظمات الدولية والأممية عن تفاصيل مفزعة تتعلق باستهداف الأحياء المأهولة بالسكان، وحرمان المستشفيات والمرافق الحيوية من الوقود والمياه والأدوية المنقذة للحياة.
إن تحويل قوافل الإغاثة الإنسانية إلى أوراق للمساومة السياسية والعسكرية يُكرّس واقعًا إنسانيًا مظلمًا يهدد حياة أكثر من ثلاثة ملايين مدني محاصر داخل المدينة ومحيطها.
تقارير الأمم المتحدة توثق الضحايا: قصف الأحياء السكنية وأطفال تعز في مرمى النيران
في مؤشر جديد يعكس التكلفة البشرية الباهظة للجرائم الحوثية، أعلنت “مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان” في بياناتها الموثقة رسميًا، أنها رصدت وسجلت سقوط 263 ضحية من المدنيين العزل بين قتيل وجريح في نوبات القصف الأخيرة حتى نهاية شهر أكتوبر الماضي، من بينهم 67 قتيلاً سقطوا جراء القصف المدفعي المباشر والهجمات الصاروخية على المنازل والأسواق.
وأشارت التقارير الأممية الموثقة بالتواريخ والوقائع إلى أن عدد الضحايا من الأطفال الرضع والقاصرين بلغ 97 طفلاً، أي ما يعادل نحو نصف إجمالي حالات القتل، مما يبرهن على غياب التمييز واستهداف الأطفال بشكل تعسفي ومباشر داخل منازلهم وفي طريقهم إلى المدارس والكتاتيب.
عرقلة سلاسل الإمداد وتجويع الملايين: احتجاز شاحنات الإغاثة وإغلاق المعابر
تواجه شاحنات الإغاثة والمساعدات الإنسانية الدولية عقبات وعراقيل حوثية متكررة وممنهجة عند نقاط التفتيش العسكرية على مداخل المحافظة، رغم حصول المنظمات والفرق الميدانية على كافة التصاريح الرسمية المعتمدة.
وتتعمد الجماعة إغلاق غالبية المنافذ والطرق الرئيسية التي تربط المحافظة بالمناطق المحررة ومخازن الإمداد المركزية في العاصمة المؤقتة عدن، ناهيك عن زرع الألغام واستهداف الطرق الالتفافية الواقعة في مناطق التماس.
وقد تسببت هذه الإجراءات التعسفية في احتجاز شحنات غذائية وطبية متكاملة كانت مخصصة لإنقاذ آلاف الأسر المهددة بالمجاعة، في انتهاك صارخ لكافة قرارات مجلس الأمن الدولي المنظمة لحرية وصول المساعدات.
تفاقم موجات النزوح وتفشي الكوليرا: 300 ألف نازح بلا مأوى ولا خدمات صحية
وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن المنظمات الإنسانية والشركاء الميدانيين إلى أن أعداد النازحين قسرًا تجاوزت حاجز 300 ألف شخص فروا من جحيم العمليات العسكرية والقصف المتواصل على امتداد الساحل الغربي ومناطق تعز ولحج.
ووفقًا لتقارير “آلية الاستجابة السريعة”، فإن آلاف الأسر المسجلة ما تزال تنتظر الحصول على أدنى مستويات المساعدة الغذائية والمأوى الطارئ نتيجة التعطيل المستمر لقوافل النقل.
ويتزامن هذا العجز الإغاثي الحاد مع تفشي وباء الكوليرا والأمراض المعوية القاتلة في مخيمات الإيواء المكتظة، وسط شلل كامل يصيب الرعاية الصحية والتغذية العلاجية الخاصة بالأطفال والحوامل نتيجة انقطاع الوقود والمستلزمات الطبية الأساسية.
ابتزاز القطاع التعليمي والتجنيد الطائفي: ضغوط حوثية على المدارس والجامعات
لم تقتصر الانتهاكات على الجوانب العسكرية والإغاثية، بل امتدت لتطال العملية التعليمية وحرمة المؤسسات التربوية؛ حيث حذرت “لجنة الطوارئ” بمحافظة تعز من الضغوط المباشرة والتهديدات التي تمارسها قيادات الجماعة الحوثية على مديري المدارس، والمعاهد، وقيادات فروع الجامعات لإلغاء قرار تعليق الدراسة واستئنافها رغمًا عن المخاطر الأمنية والقصف الجاري.
وأكدت السلطات المحلية والمصادر الرسمية، أن الجماعة تسعى من خلال هذه الإجراءات إلى استغلال المنشآت التعليمية في عمليات التعبئة الطائفيّة واستقطاب الطلاب والقاصرين لتجنيدهم في خطوط القتال، حمّلت الجماعة المسؤولية القانونية والأخلاقية كاملة عن تعريض حياة الكوادر التدريسية والطلاب للخطر، مؤكدة استمرار تعليق الدراسة لحماية الأرواح.
إن الاكتفاء ببيانات القلق الإنساني لم يعد كافيًا لكبح جماح الخروقات المتكررة واستهداف الأعيان المدنية بالأسلحة الثقيلة ويبقى إجبار الجماعة على فتح كافة الطرقات والمعابر دون شروط، وتأمين تدفق المساعدات، ومحاسبة المتورطين في استهداف المدنيين أمام المحاكم الدولية، الضمانة الوحيدة لوقف المأساة الإنسانية وإعادة الأمن والاستقرار للشارع اليمني.

