تتواصل الأزمات الهيكلية والمركبة التي تكابدها سوريا جراء سنوات طويلة من الصراع المسلح وتغول الميليشيات والخلايا الإرهابية، حيث تحولت المنشآت الحيوية للبنية التحتية إلى هدف مباشر لمخططات التخريب والاستنزاف الاقتصادي.
وفي تطور أمني بارز يعكس حجم التحديات التي تواجه التعافي الوطني، أعلنت مصادر في جهاز الاستخبارات العامة السورية عن إحباط مخطط إرهابي وشيك كان يستهدف “مصفاة حمص النفطية” في المنطقة الوسطى.
وتأتي هذه المحاولة الإجرامية في توقيت شديد الحرج مع إقبال المواطنين على موسم الشتاء وفي ظل أزمة طاقة خانقة، مما يكشف عن استراتيجية خبيثة تنتهجها الجماعات المسلحة وفلول التنظيمات الإرهابية لإضعاف المؤسسات الوطنية، وحرمان السوريين من التدفئة والكهرباء، وعرقلة أي جهود إقليمية لإنعاش الاقتصاد الشديد الإنهاك.
تفاصيل إحباط هجوم مصفاة حمص: استهداف عصب الاقتصاد السوري في توقيت حرج
وتعد مصفاة حمص النفطية، التي أنشئت عام 1959، العصب الأساسي للقطاع النفطي في البلاد، نظرًا لدورها المباشر في تكرير النفط الخام وتأمين احتياجات السوق المحلية من المشتقات الرئيسية كالمازوت والفيول والكيروسين والغاز.
وأكدت المصادر الرسمية ووزارة الطاقة، أن المحاولة المستهدفة كانت تروم ضرب وحدة التقطير الجوي “10” الخاضعة لأعمال إعادة التأهيل والصيانة لرفع طاقتها الإنتاجية إلى مليون طن سنويًا.
وتكشف المعطيات الميدانية، أن اختيار المصفاة هدفًا للعمليات الإرهابية يسعى صراحة إلى ضرب قدرة الدولة على الإيفاء بالحد الأدنى من احتياجات المواطنين الأساسية، وتعطيل التوريدات النفطية، وإدخال البلاد في دوامة جديدة من الاحتجاجات والأزمات المعيشية الطاحنة.
حرب التخريب الاقتصادي: 22 اعتداءً على خطوط النفط والغاز خلال عام واحد
ولم تكن محاولة استهداف مصفاة حمص حادثة معزولة، بل تندرج ضمن مسار ممنهج ترصده البيانات الرسمية والتقارير الحقوقية؛ إذ أظهرت أرقام وزارة الطاقة تسجيل نحو 22 اعتداءً وتخريبًا طال خطوط نقل النفط والغاز وشبكات الكهرباء عبر حوادث تفجير وسرقة منذ بداية العام الحالي.
وتوضح التحليلات الأمنية الصادرة عن مصادر تخصصية أن تنظيم “داعش” والخلايا المسلحة المرتبطة بأذرع إقليمية وميليشيات منفلتة يسعون إلى شن “حرب اقتصادية شاملة” تجبر البلاد على الخضوع دون الحاجة إلى مواجهات ميدانية مباشرة.
كما تهدف هذه العمليات التخريبية إلى تعطيل المشاريع الإستراتيجية العابرة للحدود، وفي مقدمتها تفعيل ممرات تصدير النفط الإقليمية عبر الموانئ السورية لبث الفوضى وتأكيد عدم الاستقرار.
تقارير أممية وحقوقية توثق مآسي سوريا: الانهيار الخدمي وحرمان المدنيين من الحقوق الأساسية
وأوضحت التقارير الأممية، أن تدمير المنشآت النفطية ومحطات توليد الكهرباء وشبكات المياه أدى إلى تراجع التغطية الكهربائية إلى ساعات معدودة يوميًا، وحرم ملايين الأسر من التدفئة المناسبة والمياه الصالحة للشرب، مما أفضى إلى اتساع رقعة الفقر والبطالة وتفاقم المخاطر الصحية الناجمة عن انخفاض درجات الحرارة في فصل الشتاء.
البعد الحقوقي والإنساني: تداعيات تداعي القطاعات الحيوية على معيشة السوريين
وتؤكد البيانات الحقوقية الصادرة عن المنظمات الدولية المستقلة، أن الفئات المستضعفة من أطفال ونساء وكبار سن في المخيمات والمدن السورية تدفع الثمن الأكبر لهذه الاعتداءات الإرهابية.
ويؤدي نقص المشتقات النفطية والوقود إلى تعطيل عمل المستشفيات والمراكز الصحية، وتوقف المخابز والآلات الزراعية، وارتفاع أسعار السلع الغذائية إلى مستويات قياسية لا تتناسب مطلقًا مع مستويات الدخل المنخفضة.
وتشدد التقارير الدولية على أن حماية المنشآت الاقتصادية ومرافق الطاقة تمثل التزامًا قانونيًا وإنسانيًا لحماية أرقام هائلة من المدنيين الذين يعيش أكثر من 90% منهم تحت خط الفقر المطلق، محذرة من أن استمرار ضرب مقدرات الحياة يكرس حالة العجز ويقوض كل فرص الاستقرار الاجتماعي.
إن إنهاء أزمات سوريا الممتدة يتطلب استراتيجية شاملة تقوم على تفكيك بنى الميليشيات المسلحة، وتجفيف منابع تمويل الجماعات الإرهابية وخلاياها النائمة، وتأمين الحدود والممرات الاقتصادية.
ويبقى حشد الجهود الوطنية والدولية لإعادة بناء البنية التحتية، وتوفير الدعم اللازم لقطاع الطاقة، الممر الإجباري الوحيد لاستعادة التعافي الاقتصادي وضمان كرامة وأمن الشعب السوري.

