تواجه المالية العمومية في الجمهورية التونسية معادلة معقدة وبالغة الصعوبة مع إقرار ملامح موازنة عام 2027، حيث يتصاعد الاعتماد بشكل غير مسبوق على الجباية والضرائب لتمويل الإنفاق العام وسط عجز متنامٍ وأعباء معيشية مثقلة لكاهل المواطنين.
وفي ظل التحديات الهيكلية الممتدة، كشفت الحكومة عن أرقام رسمية مقلقة تعكس حجم الضغوط المفروضة على الاقتصاد الوطني، في وقت ترتفع فيه الأصوات الحقوقية والاقتصادية محذرة من تداعيات هذه السياسات على القدرة الشرائية والنسيج التنموي للبلاد.
إن تقاطع الأزمات المعيشية مع غياب الاستثمارات الحقيقية يضع الدولة أمام اختبار مصيري يتطلب حلولاً جذرية تتجاوز الترتيبات الترقيعية نحو إصلاحات هيكلية حقيقية.
طموحات موازنة 2027: إيرادات ضريبية تصل إلى 91.4% وعجز بمليارات الدنابير
وأعلنت وزيرة المالية التونسية، مشكاة الخالدي، خلال عرض رسمي أمام لجنة المالية بالبرلمان، أن الإيرادات الضريبية ستستحوذ على نحو 91.4% من إجمالي موارد ميزانية الدولة لعام 2027، بقيمة مالية ضخمة تبلغ 49.6 مليار دينار.
وقدّرت الموازنة العامة الجديدة بنحو 68.89 مليار دينار (ما يعادل 22.96 مليار دولار)، مقارنة بنحو 63.57 مليار دينار في موازنة العام السابق 2026، مسجلة نسبة زيادة بلغت 8.37%.
وفي محاولة لتعويض جزء من النقص في الموارد، تستهدف الدولة رفع مستوى الإنتاج الوطني من النفط والغاز الطبيعي بنسبة 29%، استنادًا إلى فرضية تحقيق نمو اقتصادي بنحو 3.1% إلا أن الخبراء يَرون أن بلوغ الإيرادات الضريبية هذه النسب القياسية يعكس اعتمادًا شبه تام على الضرائب المباشرة وغير المباشرة، مما يهدد بدفع الاقتصاد نحو انكماش أعمق.
الأعباء الضريبية وتآكل القدرة الشرائية: تحذيرات من التضخم وأسعار الفائدة
وأكد خبراء، أن الارتفاع المستمر والمتسارع في نسب الضرائب يفرض أعباء ثقيلة ومدمرة على القدرة الشرائية للمواطنين والنسيج الإنتاجي، دون أن يحقق أي عدالة جبائية حقيقية.
وأوضحوا أن التضخم المزمن والمهيمن على الأسواق قد يجبر البنك المركزي على الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة عند مستوى 7%، وهو ما ينعكس سلبًا عبر تراجع الاستهلاك الخاص وانكماش حجم الاستثمارات الحقيقية في القطاعات المنتجة لصالح القطاع المالي المصرفي.
وأشاروا إلى أن هيمنة الوظيفة العمومية كمشغل رئيسي بنحو 692 ألف موظف ترفع كتلة الأجور بشكل يلتهم مخصصات الاستثمار التنموي، ويقوض فرص إيجاد حلول جذرية لأزمة بطالة حاملي الشهادات العليا خارج أروقة القطاع الحكومي.
عجز الموازنة والتحديات الهيكلية: فجوة واسعة بين الإيرادات والنفقات الحكومية
وأكدت مصادر أن مشروع قانون المالية لعام 2027 يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى الخيارات الاقتصادية المتبعة ومصادر تمويل الميزانية، لا سيما في ظل اتساع رقعة عجز الموازنة ليصل إلى 14.615 مليار دينار.
وأوضحت أن النفقات العامة للدولة تُقدر بنحو 68 مليار دينار مقابل موارد حقيقية لا تتجاوز 54 مليار دينار، مما يبرز فجوة تمويلية عميقة وخطيرة.
وشددت على أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في كيفية ترقيع هذا العجز، بل يمتد إلى غياب آليات توجيه التمويلات نحو الاستثمار الخالق للثروة، منتقدرًا تعقيد الإجراءات الجبائية التي تدفع الأنشطة الاقتصادية للهروب نحو السوق الموازية بعيدًا عن الرقابة الرسمية.
حتمية إصلاح الاقتصاد الموازي وتفعيل آليات استخلاص الضرائب بفعالية
وتُجمع التقارير الاقتصادية والتحليلات الدولية الصادرة في تواريخ موثقة على أن الحلول المستدامة لأزمات تونس المالية تتطلب التوقف عن زيادة الأعباء الجبائية على الممولين النظاميين، والتوجه فورًا نحو إدماج الاقتصاد الموازي الممتد وتحسين كفاءة آليات الاستخلاص القائمة.
وتؤكد البيانات الرسمية، أن آلاف الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية تستحوذ على سيولة ضخمة بعيدًا عن خزينة الدولة، مما يستوجب تحديث التشريعات الضريبية لتحقيق العدالة وتوسيع وعاء الجباية دون إرهاق القطاع المنظم وإن إصلاح السياسات التجارية والمالية، ومكافحة التهرب الضريبي، وتوفير بيئة استثمارية جاذبة، تمثل جميعها شروطًا لا غنى عنها لإنقاذ الاقتصاد التونسي من دوامة الانكماش والعجز المتراكم.

