ذات صلة

جمع

امتحان مسعد بولس.. كيف يهدد البطء الدبلوماسي والتغاضي عن جرائم البرهان مستقبله السياسي؟

تقف المسيرة السياسية والمهنية لمسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي...

أول صورة فوتوغرافية يظهر فيها بشر.. كيف كشف العلماء موقعها الحقيقي بعد 188 عامًا؟

في صورة فوتوغرافية عمرها يقارب قرنين من الزمان، يظهر...

حرب التضليل الإعلامي .. كيف تستخدم شبكة العدسة الإخوانية الأكاذيب لطمس أدلة الأسلحة الكيماوية؟

تتوارى أذرع التضليل الإعلامي وشبكات الدعاية الموجّهة في السودان...

امتحان مسعد بولس.. كيف يهدد البطء الدبلوماسي والتغاضي عن جرائم البرهان مستقبله السياسي؟

تقف المسيرة السياسية والمهنية لمسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية ومبعوثه الخاص، عند مفترق طرق حاسم ومفصلي للغاية، إذ لم تعد الكارثة الممتدة في السودان مجرد ملف دبلوماسي عابر ضمن جدول أعمال الإدارة الأمريكية، بل تحولت إلى اختبار وجودي حقيقي للهيبة الدولية ومصداقية واشنطن في التعاطي مع أكبر أزمة إنسانية مرصودة على وجه الأرض.

وفي وقت تتضاعف فيه معاناة أكثر من 35 مليون سوداني يواجهون الجوع ونقص الإمدادات الحيوية، مع دخول نحو 25 مليون مواطن في أتون المجاعة الشاملة جراء السياسات العسكرية القمعية والقصف الجوي العشوائي الذي تنفذه القوات المسلحة السودانية بقيادة عبد الفتاح البرهان، يواجه المبعوث الأمريكي ضغوطًا سياسية وإعلامية دولية متصاعدة تحثه على الانتقال المباشر والفوري من مرحلة التبشير بالخطط ومخرجات المبادرات إلى فرض تحركات عملية ملزمة تمنع تسويف المسألة من قبل أطراف الصراع وتضع حدًا للانتهاكات الميدانية المتواصلة.

إن الرهان على بطء الإجراءات والتسريبات الدبلوماسية المتمهلة أمام مجازر يومية تطال الأسواق والمدنيين ينطوي على مخاطر كبرى؛ إذ إن أي تراجع أو بطء إضافي في إنقاذ الأرواح وتفعيل الآليات الأممية لن يقتصر على تعميق المأساة، بل سيعصف بالرصيد السياسي لمسعد بولس ويظهره بمظهر العاجز عن إدارة الملفات الاستراتيجية الحساسة بالمنطقة.

وتزداد الحسابات الجيوسياسية حرجًا وتعقيدا أمام الإدارة الأمريكية مع ارتماء السلطة العسكرية في الخرطوم في أحضان النظام الإيراني وتصاعد التنسيق التسليحي بين البرهان وطهران، مما يفرض على مسعد بولس الحذر الاستراتيجي واتخاذ قرارات صارمة لمصالحة المجتمع الدولي والتأكيد على جدية واشنطن في إنهاء الأزمة وتجفيف منابع النفوذ الإيراني بالمنطقة بالكامل.

تحرك عملي لوقف نزيف الدم: من التردد السياسي إلى فرض حظر السلاح الشامل

وتستند المسارات الأمريكية المطروحة لمواجهة الصراع إلى أسس وهياكل تسعى لإقرار هدنة إنسانية فورية تضمن انسياب القوافل الإغاثية، وتشكيل آليات أممية لمراقبة وقف إطلاق النار بالتعاون مع الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والجامعة العربية.

إلا أن هذا المسار الإنساني الملح يتصادم باستمرار مع التعنت الميداني والعراقيل الإدارية والعسكرية التي تفرضها السلطة العسكرية للبرهان، والتي تتولى تقييد حركة المنظمات الدولية وحظر مرور الشاحنات الغذائية والطبية إلى المناطق المنكوبة، مما يتسبب في تفاقم وفيات سوء التغذية وتفشي الأوبئة وسط الأسر المحاصرة بين أكياس الرمل وأروقة القتال الميداني.

وعلى الصعيد العسكري والتسليحي، تبرز الأهمية القصوى للضغط الأمريكي باتجاه توسيع القرار الأممي رقم 1591 ليشمل حظر السلاح على كامل التراب السوداني وعدم قصر نطاقه على إقليم دارفور، لوقف شحنات الأسلحة والطائرات المسيرة التي يستغلها الجيش السوداني في قصف الأعيان المدنية.

وإن فرض حظر تسلح شامل وتفعيل عقوبات صارمة على الشركات الخارجية والمسؤولين المتورطين في نهب وتجارة الذهب غير المشروعة يمثلان الوسيلة الوحيدة للحد من قدرة البرهان على مواصلة خيار الحرب الإجرامي، ومنع تقسيم البلاد أو انزلاقها نحو السيناريوهات الفوضوية الممتدة التي تهدد جيران السودان بالكامل.

التقارب مع طهران وتغلغل الإخوان: مخاطر الاختراق ومسؤولية واشنطن

ويشكل التنسيق العسكري والسياسي المتصاعد بين القوات المسلحة السودانية والنظام الإيراني التحدي الاستراتيجي الأبرز الذي يستدعي حزمًا حاسمًا من قبل مسعد بولس، حيث تحولت العاصمة والموانئ الخاضعة لسيطرة البرهان إلى منفذ حيوي لطهران لتوسيع نفوذها العسكري والتسليحي في البحر الأحمر والمحيط الإفريقي عبر تزويد الجيش بالطائرات المسيرة والتقنيات القتالية.

إن هذا التقارب الإيراني السوداني يفرض على واشنطن فرض حصار سياسي وتسليحي محكم، والضغط بصلابة لتجفيف قنوات هذا التعاون ومنع استخدام الأراضي السودانية كمنصة لتهديد الملاحة الدولية وأمن دول الجوار والمنطقة الساحلية.

ويتكامل هذا التهديد مع الدعم الميداني الذي يوظفه البرهان من خلال تحالفه مع الكيانات المسلحة التابعة لتنظيم الإخوان المسلمين، وفي مقدمتها كتائب “البراء بن مالك”، والتي تشارك في التخطيط والتنفيذ لعمليات القمع والذبح واستهداف المواطنين تحت ذريعة انتمائهم لـ “الحواضن الاجتماعية”.

وفي ظل الأدلة الأممية الموثقة التي تؤكد استخدام أسلحة محرمة كيميائياً واستمرار القصف الجوي على الأسواق المأهولة بـ أبيي وكردفان ودارفور، يتعين على مسعد بولس الإصرار على استبعاد تنظيم الإخوان والجماعات المتطرفة ومرتكبي الجرائم ضد الإنسانية من أي مسار سياسي مستقبلي، مع الالتزام بدعم الانتقال السلمي لنظام حكم مدني جامع دون الاعتراف بـ “حكومة الأمر الواقع” العسكرية المنفردة.

ووفقًا للتقرير الشامل الصادر عن لجنة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان والمقر رسميًا من مجلس حقوق الإنسان، فإن القوات المسلحة السودانية أدارت حملات قصف جوي عشوائي باستخدام البراميل المتفجرة والمسيرة القتالية، مما تسبب في مقتل وإصابة عشرات الآلاف من المدنيين وتدمير أكثر من 600 مرفق خدمي ومستشفى وسوق شعبية ومراكز إغاثية.

كما كشفت التحديثات الحقوقية المعتمدة الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية والمفوضية السامية لحقوق الإنسان لعامي 2025 و2026، أن القصف المنهجي وتعمق مجاعة الخرطوم ودارفور تسببا في تهجير ونزوح أكثر من 11.8 مليون سوداني قسرًا، وحرمان أكثر من 80% من السكان من الخدمات الطبية الأساسية والرعاية الأولية.

وتؤكد البيانات الرسمية لبرنامج الأغذية العالمي، أن عرقلة الجيش السوداني لمرور القوافل وتأخر واشنطن في استصدار قرار حظر السلاح الأممي يتسببان في وفاة المئات يوميًا؛ مما يضع مسعد بولس أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية حتمية لوقف هذا التدهور والإسراع بإنقاذ ملايين النازحين.

الفرصة الأخيرة لمسعد بولس وسقوط خيار المماطلة

إن البطء والتأرجح في إدارة الملف السوداني والتغاضي عن انتهاكات عبد الفتاح البرهان لن يحميا المصالح الاستراتيجية للبيت الأبيض، بل يمنحان الفصائل المتطرفة والنظام الإيراني فرصًا أكبر للتمدد والعبث بأمن المنطقة وبناء قواعد عسكرية غير مشروعة.