ذات صلة

جمع

بعد انتهاء مهمة اليونيفيل.. 3 سيناريوهات ترسم مستقبل الجنوب اللبناني

تتجه الأوضاع الأمنية والسياسية في جنوب لبنان نحو مرحلة...

تجويع تحت غطاء اقتصادي.. كيف ينهب الحوثيون سيولة المواطنين في الساحل الغربي؟

تستبق الميليشيات الحوثية أي تثبيت للمكتسبات الميدانية في المناطق...

من الخرطوم إلى لاهاي.. اتهامات السلاح الكيماوي تضع قيادة البرهان في مأزق دولي

تتوالى التطورات الميدانية والسياسية العاصفة حول الأزمة السودانية لترسم...

تغيير الساعة 2026.. موعد بدء التوقيت الشتوي

يستعد المواطنون في مصر للانتقال من التوقيت الصيفي إلى...

تجويع تحت غطاء اقتصادي.. كيف ينهب الحوثيون سيولة المواطنين في الساحل الغربي؟

تستبق الميليشيات الحوثية أي تثبيت للمكتسبات الميدانية في المناطق التي تفرض سيطرتها عليها بإطلاق جولتها الخاصة من الحرب المالية الشاملة، معتمدةً على مصادرة الأوراق النقدية وإجبار المواطنين على التخلي عن مدخراتهم من العملة الوطنية الجديدة.

ولم تعد هذه السياسات مجرد إجراءات تنظيمية عابرة أو ترتيبات إدارية محلية، بل تحولت إلى استراتيجية ممنهجة تهدف إلى تعميق الانقسام النقدي في اليمن، وتحويل القوة الشرائية للسكان إلى ورقة ضغط سياسي واقتصادي.

وبمجرد التمدد الميداني في مناطق الكدحة والبرح وبلدات الساحل الغربي الممتدة بين محافظتي الحديدة وتعز، سارعت المليشيات إلى فرض حظر صارم على تداول الطبعة الجديدة من العملة الوطنية الصادرة عن البنك المركزي في العاصمة المؤقتة عدن، متسببة في صدمة مالية غير مسبوقة أصابت حركة التجارة اليومية والمنافذ المعيشية للآلاف من أبناء المنطقة بالشلل التام.

وتعود جذور هذا الانقسام المالي إلى القرار الحوثي الصارم الصادر عقب نقل مقر البنك المركزي اليمني إلى عدن في سبتمبر عام 2016، حيث أقدمت المليشيات على منع التعامل بالأوراق المالية المطبوعة حديثًا، وفرضت التعامل القسري بالورق النقدي القديم المتهالك الذي بات شحيحاً للغاية في الأسواق.

هذا التباين النقدي المفتعل خلق واقعًا مزدوجًا للعملة الوطنية، حيث ارتفعت عمولات التحويلات المالية بين المحافظات إلى مستويات قياسية تجاوزت في بعض الفترات 300%، مما أدى إلى اقتطاع الجزء الأكبر من أجور العمالة ورسائل المغتربين وأموال الأسر الفقيرة.

إن الإصرار الحوثي على سحب الطبعة الجديدة من التداول في المناطق المضمومة حديثًا يعكس رغبة واضحة في إلحاق هذه المناطق بنظام الجباية المركزي التابع للمليشيات، وتجريد المواطنين من السيولة المتاحة في أيديهم تحت طائلة المصادرة والعقاب.

شلل مصرفي وتجويع ميداني: شهادات السكان وتحليلات الخبراء في الساحل الغربي

أكد العديد من المواطنين والتجار في مديريات الساحل الغربي ومناطق المخا والكدحة أن الإجراءات الحوثية المباغتة أربكت القطاع المصرفي المحلي بالكامل، وأدت إلى إغلاق عشرات المنشآت وشركات الصرافة التي عجزت عن توفير السيولة الكافية من الأوراق النقدية القديمة.

وأصبح المواطن البسيط عاجزًا عن شراء السلع الأساسية والمواد الغذائية للحد الأدنى من المعيشة، نتيجة رفض المحال التجارية استقبال الطبعة الجديدة خفيةً من البطش الحوثي، وفشله في الحصول على الطبعة القديمة المعدومة أصلًا من التداول السلس.

وتسببت هذه الحالة في تعطل سلاسل توريد الأغذية الخفيفة ومستلزمات الصيد البحري، مما وجه ضربة قاضية لقطاع الصيد الذي يشكل المصدر الرئيسي لدخل آلاف العائلات الساحلية على طول الشريط الممتد بين الحديدة وتعز.

وفي هذا السياق أوضحت مصادر، أن الميليشيات الحوثية تستخدم السياسة النقدية كأداة بسط نفوذ عسكري وسياسي متكامل؛ إذ تبدأ فور التمركز الميداني بإصدار قرارات مُلزمة بإلغاء التعامل بالعملة الشرعية، وإعطاء مهل زمنية مجحفة للمواطنين لتسليم ما بحوزتهم من نقود حديثة مقابل مبالغ رمزية أو دون تعويض عادل.

وأشارت إلى أن الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية في الكدحة والبرح والساحل الغربي باتت مشلولة بالكامل نتيجة النزوح القسري وحالة الارباك المالي، حيث أدى انعدام العملة إلى توقف المشتريات وتجميد الحركة التجارية بين المناطق الريفية والمراكز الحضرية، معتبرًا أن تعميم تجربة الأسواق المغلقة والمجباة المتبعة في الحديدة وصنعاء على المناطق الجديدة يهدف إلى نهب السيولة النقدیة وتوجيهها لدعم المشتقات المالية الخاصة بالقيادات الحوثية.

أرقام أممية وتقارير حقوقية: الكلفة الإنسانية للانقسام النقدي وارتفاع معدلات التضخم

وتتطابق الشهادات الميدانية في الساحل الغربي مع نتائج التقارير الدولية والأممية الصادرة عن مؤسسات حقوقية واقتصادية متخصصة، والتي وثقت الآثار الكارثية للسياسات المالية الحوثية على الأمن الغذائي ومستويات المعيشة.

ووفقاً لتقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الصادرة في أواخر عام 2024 والمحدثة خلال عامي 2025 و2026، فإن الانقسام النقدي وتدهور القدرة الشرائية كانا من العوامل المباشرة التي دفعت أكثر من 17.4 مليون يمني إلى مربع انعدام الأمن الغذائي الحاد “مرحلة الطوارئ IPC Phase 3 وما فوق”.

وأكدت تقارير البنك الدولي المعنية بمراقبة الاقتصاد اليمني أن القيود المزدوجة على حركة العملة وفرض الإتاوات غير القانونية أديا إلى قفزات تضخمية في أسعار المواد الغذائية الأساسية بنسب تجاوزت 45% في المناطق الخاضعة للقيود النقدية.

كما كشفت تقارير حقوقية صادرة عن منظمات رصد متخصصة واللجنة الوطنية لإصلاح القطاع المصرفي أن المليشيات الحوثية نفذت خلال السنوات الأخيرة مئات عمليات المداهمة المباشرة لشركات الصرافة والمحلات التجارية، تم خلالها مصادرة مليارات الريالات من الطبعة الجديدة تحت مسمى مخالفة التعليمات النقدية.

وأشارت تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) الصادرة ضمن تقييم أضرار الحرب إلى أن الجبايات القسرية والجمارك المستحدثة عند مداخل المدن ضاعفت من كلفة شحن البضائع والأسماك والمحاصيل الزراعية، مما أسفر عن إفلاس أكثر من 35% من المنشآت الصغيرة والمتوسطة بالساحل الغربي، وتشريد العمالة المحلية التي باتت تعتمد كليًا على المساعدات الإغاثية الشحيحة.

مسار الركود الممنهج: مستقبل المعيشة باليمن تحت وطأة الجباية ومصادرة الأموال

ويتضح من قراءة التحركات الميدانية الحوثية أن استهداف النظام المصرفي وفرض الطبعة القديمة لا ينفصلان عن مخطط شامل لتحويل الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد موازٍ يُدار عبر شبكات صرافة غير رسمية وقيادات مالية موالية للجماعة.

إن استمرار فرض هذه السياسات في مناطق الكدحة والبرح والساحل الغربي يؤدي بالضرورة إلى تعميق الركود الاقتصادي، وحرمان المواطنين من ممارسة أنشطتهم التجارية الفردية، واحتجاز السيولة النقدية في مضاربات سوداء تسهم في إنعاش ميزانية الجبايات الحوثية على حساب جوع اليمنيين وأمنهم المعيشي. وباتت المجتمعات المحلية في هذه المناطق تعيش حالة من العزلة المالية المطلقة التي تجعل القوة الشرائية المتبقية للأسر في أدنى مستوياتها التاريخية.

ويثبت الواقع الميداني والأرقام الأممية الموثقة أن الحرب المالية التي تخوضها الجماعة الحوثية لا تقل خطورة وتدميرًا عن الهجمات العسكرية المباشرة؛ إذ تتسبب سياسة مصادرة العملة والانقسام النقدي في تقطيع أوصال المجتمع اليمني وتعميق الفقر والنزوح الداخلي.

إن وضع حد لهذه الانتهاكات المالية يتطلب موقفًا دوليًا حازمًا يتجاوز بيانات التنديد إلى اتخاذ إجراءات ملزمة لحماية القطاع المصرفي، وتمكين البنك المركزي الشرعي من إدارة السياسة النقدية الموحدة، ووقف الممارسات القسرية التي تحرم المواطنين في الساحل الغربي وكافة المحافظات اليمنية من حقهم الأساسي في الحفاظ على أموالهم وتأمين القوت اليومي لعائلاتهم.

spot_img