في الوقت الذي يواصل فيه عبد الفتاح البرهان وقيادة الجيش السوداني المتحالفة مع فلول النظام البائد “الكيزان” إشعال نيران الحرب المدمرة وتشريد ملايين السودانيين، تتكشف يومًا بعد يوم خبايا شبكات الدعم المالي واللوجستي العابر للحدود، والتي وثقتها مؤخرًا فيديوهات استقصائية فاضحة كشفت تورط كيانات تجارية إقليمية في تمويل آلة الحرب السودانية، وسط مطالبات أممية وحقوقية عاجلة بفرض عقوبات دولية حاسمة على أقطاب الجنرال وفلول الظلام.
جرائم البرهان وشبكات التمويل الخفي في السودان
حيث شهدت الأزمة السودانية منذ اندلاع صراع 15 أبريل 2023 تحولات دراماتيكية عميقة أعادت إنتاج شبكات الاستبداد والفساد التي حكمت البلاد طيلة ثلاثة عقود تحت عباءة (الكيزان).
وقالت مصادر: إنه لم يعد خافيًا على المراقبين والدوليين أن عبد الفتاح البرهان قد سلّم مفاصل القرار العسكري والسياسي والمالي في بورتسودان لكتائب الحركة الإسلامية وجيش من المنتفعين وتجار الحروب، والذين يسعون بكل ما أوتي من قوة لإطالة أمد الصراع وحماية مصالحهم غير المشروعة.
وفي خضم هذه المأساة الإنسانية المروعة، برزت تسريبات وفيديوهات استقصائية موثقة لناشطين سودانيين تكشف بالتفصيل عن قنوات تمويل سرية وعلاقات مشبوهة تربط قيادات نافذة في تحالف البرهان والكيزان بشركات إقليمية ودولية، من بينها شركة سعودية تم استخدام واجهاتها لتغذية حسابات وشراكات تخدم المجهود الحربي للجيش وفلول النظام السابق على حساب دماء الشعب السوداني الأعزل.
توثيق مرئي وشهادات حية: شبكات التمويل الخفي وشركة الدعم المشبوهة
وأثار ظهور مواطن سوداني في مقطع فيديو مصور وواسع الانتشار موجة عارمة من الغضب والسخط الشعبي، بعد أن كشف بالأدلة القاطعة تورط كيانات تجارية، من بينها شركة سعودية، في تقديم تسهيلات مالية ولوجستية صريحة لتحالف البرهان والكيزان.
وقد أوضحت التحقيقات الاستقصائية المرافقة لتلك الفيديوهات أن شبكات التهريب والتمويل العابر للحدود تعتمد على غسيل الأموال وعائدات موارد الذهب السوداني المهربة لتوفير السيولة النقدية وشراء العتاد العسكري المتقدم والمرتزقة لدعم جبهات القتال التابعة للجيش السوداني.
هذه المعطيات لم تأتِ من فراغ، بل تتقاطع بشكل مباشر مع ما كشفته تقارير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي المعني بالسودان في أواخر عام 2024 وأوائل عام 2025، والتي أكدت وجود شبكات معقدة لتمويل الحرب تستغل الغطاء التجاري الخارجي للالتفاف على العقوبات الدولية، مما جعل قطاعات واسعة من الشعب السوداني تطالب بلجان تحقيق دولية مستقلة لمساءلة كل المتورطين في إطالة أمد الموت والدمار.
وأشارت تقارير الأمم المتحدة ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية الصادرة في منتصف عام 2025 إلى أن الحرب في السودان خلّفت أكبر أزمة نزوح داخلي وخارجي في العالم، حيث تجاوز عدد النازحين واللاجئين 13 مليون شخص، بينما يعاني أكثر من 25 مليون سوداني من انعدام الأمن الغذائي الحاد نتيجة تعمد قيادة الجيش استخدام التجويع سلاح حرب.
جرائم الحرب والانتهاكات الممنهجة: تقارير أممية تدين البرهان والكيزان
تزخر أدبيات المنظمات الحقوقية الدولية والأممية بسجلات دامغة توثق جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبتها القوات المسلحة السودانية تحت إمرة البرهان وتحالف الكيزان.
ففي تقرير مفصل أصدرته بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان التابعة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة (في أكتوبر 2024)، تم توثيق انتهاكات جسيمة تشمل القصف العشوائي للمناطق السكنية المكتظة بالمدنيين في الخرطوم ودارفور ومحاولات عرقلة وصول المساعدات الإنسانية.
وأكد التقرير، أن قيادة الجيش السوداني تعتمد سياسة الأرض المحروقة، فضلاً عن الاعتقالات التعسفية والتعذيب الممنهج بحق النشطاء والمدنيين الذين يرفضون عودة نظام الإنقاذ البائد إلى واجهة المشهد.
كما وثقت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش في تقارير حديثة خلال العامين 2024 و2025 استخدام الأسلحة المحرمة دوليًا والغارات الجوية المتكررة على الأسواق والمستشفيات؛ مما أسفر عن مقتل آلاف المدنيين الأبرياء وتدمير البنية التحتية الأساسية للبلاد بالكامل، وسط إفلات تام من العقاب.
الاقتصاد المدمر ونهب الموارد: كيف يمول الكيزان حربهم على الشعب؟
لم تكتفِ عصابات الكيزان والبرهان بتدمير النسيج الاجتماعي والسياسي للسودان، بل عمدت إلى تفكيك الاقتصاد الوطني وتحويل مقدرات الدولة إلى أموال نقدية تُصرف بالكامل على المجهود الحربي وشراء الولاءات السياسية.
ووفقًا لتقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الصادرة لعام 2025، فقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي للسودان بنسب تجاوزت 40%، وتجاوز معدل التضخم مستويات قياسية غير مسبوقة، بينما توقفت أكثر من 80% من المصانع والمشروعات الحيوية عن العمل.
وفي هذا السياق، كشفت تقارير صادرة عن مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية (EITI) ومجموعة مراقبة الذهب السوداني عن استمرار عمليات التهريب المنظم للذهب وعائدات الصمغ العربي والموارد الزراعية عبر شبكات مرتبطة بفلول النظام البائد، لتغذية الحسابات السرية في الخارج وتمويل صفقات الأسلحة المشبوهة.
إن استمرار هذا النزيف الاقتصادي والمالي يعكس بوضوح الطبيعة الإجرامية لتحالف البرهان والكيزان، والذي يفضل تدمير الوطن بأكمله على قبول مسار التحول الديمقراطي وعودة السلطة المدنية.

