ذات صلة

جمع

قنبلة المرتزقة الموقوتة في ليبيا.. كيف يستنزف المقاتلون الأجانب مقدرات طرابلس؟

تخوض الدولة الليبية معركة وجودية حاسمة أمام واحدة من...

كيف تنهار دفاعات الجيش السوداني وكتائب الإخوان في ولاية شمال كردفان؟

تتوالى الضربات العسكرية الموجعة على قيادة الجيش السوداني وقوات...

جرائم قتل النساء في تونس.. هل أصبحت الحماية القانونية غير كافية؟

تخوض المنظمات الحقوقية والنسوية في تونس معركة ضارية ضد...

قنبلة المرتزقة الموقوتة في ليبيا.. كيف يستنزف المقاتلون الأجانب مقدرات طرابلس؟

تخوض الدولة الليبية معركة وجودية حاسمة أمام واحدة من أعقد الأزمات الأمنية والاقتصادية في تاريخها الحديث، عقب تحول ملف المقاتلين الأجانب والمرتزقة السوريين من مجرد ورقة عسكرية في صراعات العاصمة إلى عبء سيادي ومالي ثقيل ينهك كاهل الاقتصاد الوطني.

ومع تكرار المشاهد الاستفزازية لاحتجاجات المقاتلين الأجانب المطالبين بالمرتبات بالعملة الصعبة في قلب طرابلس، تتكشف بوضوح معالم الابتزاز المالي الذي تمارسه شبكات الميليشيات المسلحة على خزينة الدولة، وسط صمت رسمي يثير الغموض والريبة.

وفي الوقت الذي يواجه فيه المواطن الليبي طاحونة التضخم وتراجع القوة الشرائية للدينار، تنفق الملايين من النفقات الجارية غير الشفافة على إعاشة وتسليح وتأمين عناصر أجنبية دُفِع بها إلى أحياء العاصمة.

وتضع هذه التطورات الميدانية والتقارير الأممية الموثقة السلطات التنفيذية والمجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية لتجفيف منابع التمويل المشبوه، وتفكيك هذه التشكيلات الخطيرة، وإنقاذ ليبيا من الانزلاق الكامل نحو الفوضى الشاملة.

احتجاجات طرابلس تفضح ملف المرتزقة

شهدت العاصمة الليبية طرابلس تطورات أمنية واستفزازية بالغة الخطورة، تمثلت في خروج عشرات المقاتلين السوريين في تظاهرة علنية أمام مقر كلية ضباط الشرطة بمنطقة صلاح الدين جنوب العاصمة، للمطالبة بصرف مستحقاتهم المالية المتأخرة بالعملة الأجنبية.

وتُعد هذه الواقعة، التي وثقتها وسائط إعلامية ومصادر محلية، امتداداً لاحتجاجات مماثلة شهدتها البلاد سابقاً، مما يعكس تجذر أزمة المرتزقة في الجسد الليبي وتحولهم إلى قوة ابتزاز ضاغطة على صناع القرار.

وأوضح باحثون أن هذا الاحتجاج هو عرض من أعراض مشكلة متفاقمة صُنِعت بأيدٍ محلية منذ سنوات، مشيراً إلى أن أعداد هؤلاء المقاتلين تزايدت بشكل ملحوظ عقب حرب طرابلس عام 2019، وحصلوا على أموال طائلة بالعملة الصعبة مقابل انخراطهم في القتال، ومحذراً من التبعات الكارثية لنزولهم إلى الشوارع للمطالبة بالمستحقات المالية في بلد يعاني من ويلات الجمود السياسي والانقسام المؤسسي.

خريطة تمركز المقاتلين السوريين واشتراكهم في الصراعات

وتستند التحذيرات الدولية والمحلية من خطر المرتزقة إلى سجل حافل توثقه التقارير الصادرة عن فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة والبعثات الحقوقية الدولية لعام 2026.

وأكد أحدث تقرير لخبراء الأمم المتحدة الصادر هذا العام استمرار وجود آلاف المقاتلين السوريين التابعين لفصائل مسلحة، مثل «فرقة السلطان مراد»، في قواعد ومواقع عسكرية حيوية داخل طرابلس ومحيطها، أبرزها مناطق صلاح الدين، وأبو سليم، وقاعدة اليرموك العسكرية، بالإضافة إلى تمركزاتهم الميدانية في مدينة مصراتة.

وأكد التقرير الأممي الموثق بالأرقام والتواريخ اشتراك هؤلاء المقاتلين الأجانب بشكل مباشر في المواجهات المسلحة الدامية التي شهدتها العاصمة طرابلس خلال شهر مايو 2025، مما يقدم دليلاً قاطعاً على أن وجودهم لم يعد مقتصراً على الحراسات، بل امتد ليكون أداة تستخدمها الجماعات المسلحة لإشعال الفوضى.

غموض الميزانية الدفاعية.. ثقوب الإنفاق المالي وتراجع الشفافية الحكومية

وتطرح التكاليف الباهظة لوجود المرتزقة تساؤلات حادة حول الشفافية والرقابة المالية على ميزانيات الجهات الأمنية والعسكرية في غرب البلاد.

وحسب البيانات الرسمية الموثقة الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي، بلغ إجمالي الإنفاق على وزارة الدفاع والجهات التابعة لها خلال عام 2025 نحو 4.8 مليار دينار ليبي، استحوذت الرواتب منها على الشق الأكبر بواقع 4.31 مليار دينار، مقابل 129.1 مليون دينار للنفقات التسييرية، و362.2 مليون دينار فقط المخصصة لمشروعات التنمية.

ويؤكد خبراء المال والاقتصاد أن الغموض الشديد الذي يكتنف تفاصيل هذه النفقات وغياب الرقابة المحاسبية الصارمة يفتحان الباب واسعاً أمام تسريب العملات الأجنبية لدعم شبكات المرتزقة والسلاح المنفلت، مما يعمق أزمة سعر الصرف، ويضع الاقتصاد الليبي تحت التهديد المباشر لعصابات التهريب والميليشيات التي تقتات على غياب الدولة وسيادة القانون.

وتقتضي المصلحة الوطنية العليا لليبيا اتخاذ موقف حاسم وفوري ينهي الارتهان للمجموعات المسلحة الأجنبية ويستعيد قرار الدولة السيادي. إن المظاهرات العلنية للمرتزقة في شوارع طرابلس تشكل إدانة صريحة لكافة الأطراف المتورطة في جلبهم وتمويلهم، وتستدعي تحركاً قضائياً ووطنياً شاملاً لمحاسبة كل من تسبب في إهدار المال العام وترهيب المواطنين.

ويطالب السياسيون والحقوقيون بضرورة إقرار آلية وطنية دولية ملزمة تفكك الميليشيات، وتجفف منابع التمويل غير المشروعة، وتعمل على الترحيل الفوري لجميع المقاتلين الأجانب والمرتزقة من كافة الأراضي الليبية دون قيد أو شرط.

إن استعادة ليبيا لاستقرارها وبناء مؤسساتها العسكرية والأمنية الموحدة على أسس مهنية خالصة هما السبيل الوحيد لضمان حماية الحدود، وتوجيه الموارد الاقتصادية لبناء الإنسان وإعادة الإعمار، بعيداً عن سطوة السلاح المنفلت وأطماع القوى الخارجية.