ذات صلة

جمع

الدولار يتراجع أمام الجنيه المصري- الإثنين 27 يوليو 2026

شهد سوق الصرف في مصر خلال تعاملات، اليوم الاثنين،...

كيف يضحّي حزب الله باستقرار لبنان ومعيشة أبنائه لخدمة المصالح الإيرانية؟

لم يعد خفيًا على المراقبين للشأن اللبناني أن دولة...

تراجع أسعار الذهب اليوم الإثنين 27 يوليو.. وعيار 21 يتراجع في مصر

تشهد أسعار الذهب اليوم الإثنين، 27 يوليو 2026، في...

هل تفتح زيارة غوتيريش بابًا حقيقيًا لعودة آمنة لملايين النازحين واللاجئين السوريين؟

تظل القضية السورية واحدة من أعمق الجراح الإنسانية وأكثرها...

هل تفتح زيارة غوتيريش بابًا حقيقيًا لعودة آمنة لملايين النازحين واللاجئين السوريين؟

تظل القضية السورية واحدة من أعمق الجراح الإنسانية وأكثرها تعقيدًا في العصر الحديث، إذ ما يزال ملايين البشر يدفعون فاتورة باهظة من أرواحهم واستقرارهم ومستقبل أطفالهم جراء سنوات طويلة من الصراع المدمر والنزوح القسري والتهميش الممنهج.

وفي ظل هذا المشهد القاتم، جاءت زيارة التضامن التاريخية التي قام بها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى العاصمة السورية دمشق لتشكل محطة مفصلية واختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة المجتمع الدولي على تحويل الشعارات الإنسانية إلى مسار عملي فعال يحقق طموحات الشعب السوري.

ومع وجود تقارير أممية رسمية تؤكد أن نحو 15.6 مليون سوري ما زالوا بحاجة ماسة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، إلى جانب وجود قرابة 5.5 مليون نازح داخليًا وأكثر من 6 مليون لاجئ يتوزعون في دول الشتات والمجاورة، تتصاعد التساؤلات المشروعة حول ما إذا كانت هذه التحركات الدبلوماسية الرفيعة قادرة حقًا على تذليل العقبات الهائلة وتمهيد الطريق أمام عودة آمنة، كريمة، ومستدامة لملايين المنكوبين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي سلبها الدمار وسنوات الشتات الطويلة.

تقارير الأمم المتحدة ترصد حجم المأساة وتؤكد تواضع الاستجابة الإنسانية الحالية

وتشير أحدث التقارير الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فضلاً عن بيانات مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، إلى أن الأوضاع الإنسانية في عموم الأراضي السورية تقترب من حافة الانهيار الكامل في حال لم يتم ضخ استمارات مالية ضخمة لدعم قطاعات التعافي المبكر.

وفي تصريحات موثقة أدلى بها الأمين العام أنطونيو غوتيريش خلال جولته الميدانية في دمشق، حذر المسؤول الأممي من أن المساعدات الإنسانية الدولية الحالية لا تلبي سوى نحو عشرين بالمائة فقط من الاحتياجات الحقيقية والأساسية للشعب السوري.

وتؤكد هذه الأرقام الصادمة، أن ملايين العائلات تعيش تحت خط الققر المدقع، محرومة من أبسط مقومات العيش الكريم كالمياه الصالحة للشرب، والرعاية الصحية، والكهرباء، والتعليم للأطفال.

إن تفاقم هذه الأزمات المعيشية يعيق بشكل مباشر خطط العودة الطوعية والآمنة لللاجئين، حيث يخشى العائدون من الاصطدام بواقع خاوٍ من فرص العمل والبنى التحتية القابلة للحياة، مما يجعل الاستجابة الدولية الإنسانية شرطاً أساسياً لا غنى عنه لتهيئة البيئة الآمنة المنشودة.

دلالات زيارة صيدنايا ومطالبات حاسمة بتفعيل مسار العدالة الانتقالية

وشهدت زيارة أنطونيو غوتيريش إلى سوريا محطات بالغة الرمزية والأهمية الإنسانية، كان أبرزها جولته الميدانية في سجن صيدنايا السيئ الصيت، وهو المعتقل الذي ارتبط بأسوأ الفظائع والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي شهدتها البلاد، حيث سقط فيه عشرات الآلاف من الضحايا تحت التعذيب والاختفاء القسري.

وقد شدد غوتيريش في مؤتمره الصحفي على أن جولات التحقيق والاطلاع على حجم الأهوال التي ارتكبت داخل تلك السجون تفرض التزاما أخلاقيًا وقانونيًا صارمًا بضرورة تحقيق العدالة الانتقالية الشاملة، ومحاسبة كافة المتورطين في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق المدنيين العزل.

وتتطابق هذه المواقف مع تقارير لجان التحقيق الدولية المستقلة التي تؤكد أن طي صفحة الماضي المظلم وإرساء دعائم دولة القانون والمحاسبة ورفض الإفلات من العقاب تعد شروطاً رئيسية لا يمكن الاستغناء عنها لضمان عدم تكرار المأساة، وبث الطمأنينة في نفوس اللاجئين والنازحين المترددين في اتخاذ قرار العودة إلى وطن يفتقر إلى سيادة العدالة المطلقة.

عوائق البنى التحتية المدمرة وتهديدات الميليشيات المسلحة في الداخل

وعلى الرغم من رصد الأمم المتحدة لعودة مئات الآلاف من النازحين واللاجئين السوريين إلى مناطق مختلفة منذ التغيرات الميدانية الأخيرة، إلا أن حركة العودة تواجه عقبات بنيوية وأمنية بالغة التعقيد والخطورة، فأغلبية القرى والبلدات في محافظات مثل حلب، وإدلب، وحمص، ودير الزور، وريف دمشق تعاني من دمار شبه كامل في المساكن وشبكات المياه والطرق والمستشفيات.

وتوضح تقارير البنك الدولي، أن تكلفة إعادة إعمار البنى التحتية الأساسية في سوريا تقدر بعشرات مليارات الدولارات، وهو ما يعجز الاقتصاد المحلي المتردي عن توفيره بمفرده دون دعم دولي واسع النطاق.

وإلى جانب الدمار المادي، تبرز تهديدات الميليشيات المسلحة المنتشرة في بعض المناطق، وفوضى السلاح المنفلت، والتدخلات الخارجية السافرة التي تقوض سلطة الدولة وتهدد الأمن الإقليمي والمحلي، الأمر الذي يضع ضغوطًا إضافية على العائدين ويعرض حياتهم وممتلكاتهم لمخاطر مستمرة تحول دون استقرارهم المعيشي والاجتماعي بشكل كامل.

الموقف الأممي من الانتهاكات واختبار الإرادة الدولية لدعم الانتقال السياسي

ولم تقتصر مباحثات الأمين العام للأمم المتحدة في دمشق على الجوانب الإنسانية البحتة، بل امتدت لتشمل الملفات السياسية والدبلوماسية الشائكة، حيث أعلن غوتيريش عن عزم المنظمة الدولية تقديم تقرير مفصل إلى مجلس الأمن الدولي بشأن الانتهاكات السافرة والاعتداءات المستمرة التي تمس سيادة الأراضي السورية وسلامة أراضيها، داعيًا إلى ضرورة احترام القوانين والأعراف الدولية وخفض حدة التوترات الإقليمية.

وأكد غوتيريش استعداد الأمم المتحدة الكامل لمواكبة ودعم مسار الانتقال السياسي في سوريا، بما يشمل صياغة دستور دائم، وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة، وإشراك كافة مكونات الشعب السوري في صناعة مستقبل بلادهم بعيدًا عن الوصاية والإملاءات الخارجية.

إن نجاح هذه الرؤية الأممية يظل مرهونًا بمدى جدية المجتمع الدولي في الوفاء بالتزاماته المالية والسياسية، وتغليب لغة المصلحة الإنسانية فوق الصراعات الجيوسياسية، لتمكين سوريا من استعادة دورها التاريخي كركيزة أساسية للأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره.