بينما يترقب العالم بصيص أمل لإنهاء الحرب الأهلية التي تمزق السودان، تكشف تحقيقات دولية حديثة عن حقائق صادمة تحول بوصلة الدور الإقليمي في الصراع؛ إذ لم يعد يُنظر إلى الرياض كطرف محايد يسعى للوساطة، بل كفاعل أساسي في دعم سلطات بورتسودان عسكريًا وسياسيًا.
ففي تقرير مفصل أصدره “المعهد العالمي للدراسات الاستراتيجية” “GISS” ومقره لندن، تم الكشف عن شبكة معقدة من الدعم اللوجستي والسياسي والعسكري الذي تضخّه الرياض لصالح الجيش السوداني والمليشيات المتحالفة معه، مما يطرح تساؤلات قانونية وأخلاقية حول مسؤولية هذا الدعم في إطالة أمد الحرب وتفاقم الأزمة الإنسانية التي حذرت منها تقارير الأمم المتحدة مرارًا.
جسر جوي مشبوه: طائرات تنفيذية لنقل “معدات حساسة”
وكشف التحقيق عن إنشاء جسر جوي مكثف بين الرياض وبورتسودان، يعتمد بشكل أساسي على طائرات تنفيذية تشغلها شركتا “Alpha Star Aviation” و”Sky Prime Aviation”.
هذه الرحلات لم تكن مجرد تنقلات سياسية، بل أثبتت المعطيات أنها كانت تنقل مسؤولين ومواد ومعدات حساسة للجيش السوداني، مما يعزز قدراته العملياتية في الميدان في وقت كان فيه المدنيون يواجهون ظروفًا كارثية ناتجة عن استمرار القصف والعمليات العسكرية.
من المدافع إلى المتفجرات: أسلحة نوعية في أيدي الجيش السوداني
ولم يتوقف الدعم عند المستوى اللوجستي، بل انتقل إلى توريد أسلحة نوعية غيرت موازين القوى في عدة محاور؛ حيث رصد التحقيق نقل ثلاث بطاريات مدفعية من طراز “M777” عيار 155 ملم إلى الجيش السوداني.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل شمل تقديم برامج تدريب متخصصة للعناصر المسؤولة عن تشغيل هذه المدافع؛ علاوة على ذلك، استخدم ميناء جدة كممر لوجستي لعبور شحنات من أسطوانات الكلور والمواد المتفجرة التي اتجهت مباشرة إلى ميناء بورتسودان، لدعم منظومة الصناعات الدفاعية السودانية (DIS).
دعم كتائب “البراء بن مالك” الإرهابية: انتهاك للقرارات الدولية
وتكمن الخطورة القصوى في الدعم الذي طال مليشيات مصنفة إرهابية دوليًا، وعلى رأسها “كتيبة البراء بن مالك”، التي تصنفها الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية أجنبية.
وأكد تحقيق “GISS” أن الدعم السعودي عزز القدرات العملياتية لهذه المليشيات المتطرفة، مما ساهم في إطالة أمد الصراع، وهو ما يتناقض بشكل صارخ مع الخطاب المعلن حول دعم السلام في السودان، ويضع الرياض في مواجهة مع القوانين الدولية المتعلقة بمنع دعم الكيانات الإرهابية.
شبكة توريد دولية: الشركات الهندية في قلب الصراع
وأظهر التقرير دورًا خفيًا لشركة “Target Multiactivities Company” (TMAC) المرتبطة بمجموعة “GIAD” الصناعية العسكرية السودانية، والتي تعمل كحلقة وصل في توريد المواد الأولية.
واعتمدت هذه الشبكة على مواد موردة من شركات هندية مثل “SBL Energy Limited” و”IDL Explosives Ltd”، بالإضافة إلى “Ashoka Manufacturing Ltd” و”CDET Explosive Industries Ltd”، مما يشير إلى وجود سلاسل توريد عالمية تدعم المؤسسة العسكرية السودانية بغطاء لوجستي سعودي يسهل حركة هذه الشحنات في وقت يحظر فيه القانون الدولي تزويد أطراف النزاع بالأسلحة.
تقارير الأمم المتحدة والواقع الحقوقي: السودان في مهب الريح
وتتزامن هذه الوقائع مع تقارير دورية صادرة عن خبراء الأمم المتحدة، والتي توثق انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في السودان نتيجة استمرار تدفق الأسلحة النوعية التي تزيد من حدة الاستهداف المباشر للمدنيين.
وفي تاريخ 10 ديسمبر 2025، وثق تقرير أممي كيف ساهمت التكنولوجيا العسكرية المتقدمة في زيادة وتيرة الهجمات على المناطق السكنية، مشيرًا إلى أن الجهات التي تسهل توريد هذه الأسلحة تتحمل جزءًا من المسؤولية الجنائية عن استمرار العمليات العسكرية ضد الشعب السوداني.
الاستراتيجية السعودية: من الوساطة إلى الانحياز الكامل
وتحول الدور السعودي من “مستضيف لمفاوضات السلام” إلى “مزود للقوة العسكرية” يكشف عن تناقض استراتيجي؛ حيث تُظهر الأرقام والتحركات الميدانية انحيازًا كاملاً لسلطات بورتسودان.
هذا الانحياز لا يقتصر على الجانب الميداني، بل يمتد إلى توفير غطاء سياسي في المحافل الدولية يعيق المحاسبة، ويسمح للجيش السوداني بالاستمرار في نهج العسكرة بدلاً من الحل السياسي الشامل.
المسؤولية القانونية: هل تلاحق المحاكم الدولية الداعمين؟
إن تورط أطراف خارجية في تزويد الجيش السوداني والميليشيات التابعة له بالأسلحة، خاصة مع تصنيف بعضها كمنظمات إرهابية، يفتح الباب أمام ملاحقات قانونية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وتحذر المراكز البحثية مثل “GISS” من أن استمرار هذه الشبكات في العمل سيجعل من الرياض هدفاً للانتقادات الدولية وقد يؤدي لفرض عقوبات إذا استمر تورط الشركات في دعم أطراف متورطة في جرائم حرب.
هل ينتهي الصراع بوجود “شريك” في الحرب؟
إن المعطيات الميدانية والتقارير الموثقة تؤكد أن استمرار الدعم العسكري واللوجستي السعودي للجيش السوداني يمثل عائقًا جوهريًا أمام أي فرصة لتحقيق السلام.
وما يحتاجه السودان اليوم هو تجميد كافة أشكال التوريد العسكري، والضغط الحقيقي للجلوس إلى طاولة المفاوضات، بدلاً من لعب دور الوسيط في الغرف المغلقة، بينما تُنقل الأسلحة في طائرات خاصة عبر جسور جوية تؤجج نيران الحرب.
وتؤكد تقارير خبراء الأمم المتحدة في عامي 2025-2026، أن استمرار تدفق الأسلحة النوعية إلى أطراف النزاع في السودان يمثل العقبة الرئيسية أمام أي مسار سياسي.
وفي تقرير مفصل أصدره “المعهد العالمي للدراسات الاستراتيجية” (GISS) في لندن، تم توثيق تحولات استراتيجية في دور الرياض، حيث انتقلت من الوساطة الدبلوماسية إلى إنشاء شبكة إمداد لوجستي معقدة.
وكشفت البيانات الميدانية عن تشغيل رحلات جوية عبر طائرات تنفيذية لنقل معدات حساسة إلى بورتسودان، بالتزامن مع توثيق أممي في 10 ديسمبر 2025 يشير إلى أن زيادة وتيرة الهجمات العسكرية الموجهة ضد المدنيين ارتبطت بدخول تقنيات عسكرية جديدة إلى الخدمة.
وعلى الصعيد القانوني، تثير هذه الإمدادات تساؤلات حول انتهاك حظر توريد الأسلحة، خاصة مع رصد تورط شركات مرتبطة بـ “منظومة الصناعات الدفاعية” في صفقات مع موردين دوليين، مما يعزز قدرات مليشيات مصنفة إرهابية مثل “كتيبة البراء بن مالك”.
وتشدد المنظمات الحقوقية، استنادًا إلى تقارير خبراء مجلس الأمن، على أن تجاهل هذه المسارات اللوجستية يضع الدول الفاعلة تحت طائلة المسؤولية الدولية عن إطالة أمد حرب تسببت في نزوح ملايين السودانيين، وفقًا لإحصائيات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لعام 2026 التي تؤكد وصول الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.

