في الوقت الذي تشتد فيه وطأة الحرب السودانية وتتفاقم معها الأزمات الإنسانية، تتكشف يومًا بعد يوم ممارسات “سلطة بورتسودان” والكتائب الإخوانية المتحالفة معها، والتي تجاوزت استهداف الخصوم عسكريًا إلى استغلال المدنيين كأدوات في معركة التضليل الإعلامي.
إن مدينة الأبيض، التي باتت مؤخرًا مركزًا لـ “هندسة الأكاذيب”، تحولت من مدينة سكانية إلى رهينة بيد القوات المسلحة التي تمنع أهلها من النجاة، محولة إياهم إلى “دروع بشرية” تخدم روايتها الاستباقية، وتغطي على تحركات عسكرية مشبوهة في عمق شمال كردفان.
صناعة “الخوف الاستباقي”: الرواية الإعلامية كأداة حربية
ولا يمكن قراءة الحملة الإعلامية المكثفة حول “هجوم وشيك على الأبيض” بمعزل عن التطورات الميدانية الخفية، فقد أظهرت التحليلات أن هذه الحملة ليست سوى “عملية نفسية” منظمة تهدف إلى تشكيل رأي عام دولي مسبق.
إن الهدف الحقيقي من هذا الضجيج هو توجيه الاتهامات جزافًا قبل وقوع أي أحداث، لتمهيد الطريق أمام انتهاكات عسكرية يُخطط لها الجيش بالتنسيق مع الجماعات الإخوانية المتطرفة، ولضمان وجود “رواية جاهزة” يتم تصديرها للعالم فور وقوع أي كارثة ميدانية، وإن التوقيت الزمني لهذه الحملة يثير الريبة؛ فهي تتقاطع زمنيًا وبشكل مريب مع عمليات تحشيد عسكرية واسعة يقوم بها الجيش في مناطق “جبرة الشيخ” و”رهيد النوبة”.
فبينما تتجه الأنظار العالمية نحو الأبيض بانتظار “هجوم مفترض”، ينشغل الجيش والميليشيات المتحالفة معه في تعزيز مواقعهم في مناطق استراتيجية بعيدًا عن أعين الإعلام والرقابة الدولية، مما يجعل من الأبيض “ستارًا دخانيًا” يغطي على جرائم وتحركات عسكرية قد تغير موازين القوى في شمال كردفان.
الأبيض: سجن كبير تحت غطاء “الحماية”
وتتجلى الجريمة الإنسانية الأكثر وضوحًا في سياسة “منع المغادرة” التي تفرضها نقاط التفتيش التابعة للجيش والميليشيات الإخوانية على مداخل ومخارج المدينة ورغم التصريحات الرسمية التي تتحدث عن “حماية المدنيين”، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى أن هؤلاء المدنيين ليسوا سوى رهائن.
إن حماية المدنيين في القانون الدولي الإنساني -بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية- تبدأ بفتح ممرات آمنة وتسهيل خروجهم من مناطق الصراع، لا حشرهم داخل نطاق العمليات العسكرية، وإن استخدام المدنيين كدروع بشرية هو انتهاك جسيم يرقى إلى مصاف “جرائم الحرب” وفقًا لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وبدلاً من تأمين خروجهم، يصر الجيش على إبقائهم في قلب التهديدات، مما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة: هل ينتظر الجيش حدوث فاجعة إنسانية ليتاجر بها إعلاميًا في المحافل الدولية؟ إن شهادات المدنيين الذين حاولوا الفرار من المدينة تؤكد تعرضهم لضغوط وتهديدات، مما يثبت أن قرار البقاء ليس إراديًا، بل هو قرار عسكري قسري.
فضح التناقض: عندما تكذب الآلة الإعلامية
وتؤكد التقارير الأممية لعام 2025 و2026، ومنها تقارير “مفوضية حقوق الإنسان” حول السودان، أن استراتيجية “التضليل الإعلامي” هي جزء لا يتجزأ من الممارسات القتالية للطرفين في الحرب.
وفي حالة الأبيض، يسعى التحالف الإخواني-العسكري إلى خلق “حقيقة بديلة”، فالمراقبون الدوليون الذين تمكنوا من رصد تحركات بسيطة في شمال كردفان يؤكدون أن هناك فجوة هائلة بين الخطاب الرسمي للجيش والواقع الميداني.
الخطاب يدعي الدفاع عن “سيادة الدولة”، بينما الواقع هو تدمير لما تبقى من النسيج الاجتماعي للمدنيين.
إن المطالبة بفتح ممرات آمنة للمدنيين في الأبيض ليست مجرد مطلب إنساني، بل هي اختبار لمصداقية الجيش السوداني، وإن رفض الجيش السماح للمدنيين بالخروج يكشف عن نوايا مبيتة لاستخدامهم كوقود لحملات إعلامية قادمة، تهدف إلى استدرار التعاطف الدولي بعد توجيه اتهامات مسبقة للطرف الآخر، ويجب على المجتمع الدولي، والمنظمات الحقوقية، والبعثات الأممية التحرك الفوري للضغط على سلطة بورتسودان لفتح المعابر، والتحقق بشكل مستقل من ممارسات الميليشيات الإخوانية التي تتحكم في مصير آلاف الأبرياء.
خريطة التحركات العسكرية والستار الإعلامي
وتوضح الخرائط الميدانية المسربة والتحليلات الجغرافية أن التركيز على الأبيض يهدف إلى تشتيت الانتباه عن “رهيد النوبة” و”جبرة الشيخ”، هذه المناطق تشهد تحركات عسكرية ثقيلة للجماعات الإخوانية، التي تستخدم تكتيكات “الاستنزاف والتمركز” بعيدًا عن المدن الرئيسية.
إن ربط هذه التحركات بالادعاءات الإعلامية حول الأبيض يكشف عن مخطط استراتيجي يسعى لشرعنة وجود هذه الميليشيات في تلك المناطق تحت ذريعة “مواجهة التهديدات الوشيكة”.

