ذات صلة

جمع

استراتيجية الخنق.. كيف يقطع العالم شريان الحياة عن الحرس الثوري الإيراني؟

في مشهد جيوسياسي يتغير بسرعة البرق، لم يعد الحرس الثوري الإيراني مجرد ذراع عسكرية محلية لنظام طهران، بل تحول في نظر المجتمع الدولي إلى “كيان إرهابي” يهدد السلم والأمن العالميين.

فمن لندن إلى كانبرا، ومن واشنطن إلى عواصم أوروبية ولاتينية، تكاتفت الجهود العالمية لقطع شريان الحياة عن هذا التنظيم الذي بات محاصرًا بسلسلة من التصنيفات القانونية والسياسية التي تضيق الخناق على نفوذه وتدفقاته المالية والعملياتية، فما هي الأسباب الكامنة وراء هذا الإجماع الدولي غير المسبوق ضد منظمة كانت يومًا ما تعتبر “قوة إقليمية” لا تُمس؟.

وتتجلى خطورة هذا التنظيم في كونه تجاوز الحدود التقليدية للجيوش، حيث يجمع بين العقيدة الأيديولوجية المتطرفة، والعمليات الاستخباراتية السرية، والأنشطة الاقتصادية غير المشروعة، وهو ما وثقته عشرات التقارير الأممية والحقوقية التي كشفت عن شبكات واسعة من التجنيد، والتمويل، والتدريب لمليشيات طائفية خارج الحدود، مما دفع الدول الغربية والشرقية على حد سواء إلى تبني إجراءات حازمة، ليس فقط لحماية أمنها القومي، بل لوضع حد لسياسات التوسع وزعزعة الاستقرار التي طالت دولاً في قارات مختلفة، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل هذا الكيان في ظل عزلة دولية خانقة.

الحرس الثوري تحت مجهر الأمم المتحدة والقانون الدولي

وعند العودة إلى التقارير الأممية والوثائق الحقوقية، يظهر الحرس الثوري كلاعب محوري في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، حيث وثقت تقارير “المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في إيران” بناءً على قرارات مجلس حقوق الإنسان منذ عام 2011 تورط عناصر الحرس في قمع الاحتجاجات السلمية واستخدام القوة المفرطة التي أدت إلى مئات القتلى وآلاف الاعتقالات التعسفية، فضلاً عن تقارير “فريق الخبراء المعني بإيران” التابع للأمم المتحدة الذي أكد في مناسبات عديدة تورط الحرس في خرق حظر الأسلحة المفروض بقرارات مجلس الأمن رقم 2231 عام 2015 عبر تزويد أطراف إقليمية بطائرات مسيرة وصواريخ باليستية.

وعلى الصعيد الحقوقي، سجلت منظمة “العفو الدولية” في تقاريرها لسنوات 2022 و2023 عمليات تعذيب ممنهجة داخل سجون يديرها الحرس الثوري، واصفة إياها بأنها “ثقافة إفلات من العقاب”.

كما أشارت تحقيقات “هيومن رايتس ووتش” إلى أدوار الحرس في تجنيد الأطفال في صراعات إقليمية، وهو ما يعد انتهاكًا صارخًا لبروتوكولات الأمم المتحدة المتعلقة بحماية الأطفال في النزاعات المسلحة.

هذه الحقائق المدعومة بالأرقام والتواريخ جعلت من الصعب على أي دولة تجاهل الطبيعة التخريبية لهذا التنظيم، مما مهد الطريق أمام موجة التصنيفات الدولية الحالية التي بدأت تأخذ طابعًا قانونيًا ملزمًا بدلاً من الاكتفاء بالتنديد السياسي.

بريطانيا والأمريكتان: طوق نسيج العزلة يضيق

وفي تحرك حاسم، صنفت الحكومة البريطانية الحرس الثوري منظمة إرهابية، حيث أكد رئيس الوزراء كير ستارمر في بيان رسمي يوم 14 يوليو 2026 أن بريطانيا لن تكون “ساحة لعب” للنظام الذي يسعى لنشر الخوف، وهو قرار يتبع نهجًا أمريكيًا بدأ عام 2019 عندما صنفت واشنطن الحرس الثوري كمنظمة إرهابية أجنبية، مبررة ذلك بتورطه في مؤامرات إرهابية عابرة للقارات تستهدف دبلوماسيين ومصالح أمنية.

وامتدت هذه الاستراتيجية إلى أمريكا اللاتينية؛ حيث أعلنت كوستاريكا في أبريل 2026 تصنيف الحرس الثوري “منظمة إرهابية” لتعزيز ضوابط الهجرة ومنع التهديدات العابرة للحدود، وتبعتها الأرجنتين في خطوة مماثلة استندت إلى تاريخ طويل من العمليات الإرهابية التي نفذتها أذرع الحرس في بوينس آيرس خلال تسعينيات القرن الماضي، وهو ما يعكس وعيًا عالميًا بأن هذا التنظيم لا يمثل تهديدًا إقليميًا فحسب، بل هو “آلة تهديد” عالمية تستوجب إجراءات أمنية مشتركة وتنسيقًا استخباراتيًا لقطع خطوط إمداده.

أوروبا وأوقيانوسيا: من الهجمات السيبرانية إلى طرد السفراء

ولم تقف القارة الأوروبية مكتوفة الأيدي؛ ففي يناير 2026، وافق وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على إدراج الحرس الثوري على قائمة التنظيمات الإرهابية، وهي خطوة وصفتها مسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس بأنها “حاسمة”، وتأتي بعد مواقف حازمة من أوكرانيا التي صنفت التنظيم إرهابيًا لدوره في تزويد روسيا بمسيرات حربية، ومن ألبانيا التي قطعت علاقاتها بطهران عام 2022 بعد هجمات سيبرانية عنيفة نفذها الحرس ضد مؤسساتها الحكومية.

وفي أوقيانوسيا، اتخذت أستراليا منعطفًا تاريخيًا في أغسطس 2025؛ حيث أدرجت الحرس على قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد تقارير استخباراتية أكدت تدبيره لهجمات معادية للسامية في سيدني وملبورن، مما دفع السلطات الأسترالية لطرد السفير الإيراني، في إجراء دبلوماسي هو الأقسى منذ الحرب العالمية الثانية، مما يؤكد أن “استراتيجية الخنق” لم تعد تقتصر على العقوبات الاقتصادية، بل أصبحت استراتيجية شاملة تشمل العزل الدبلوماسي والأمني.

وتستند المساءلة الدولية للحرس الثوري الإيراني إلى رصيد ضخم من التوثيق الأممي والحقوقي الذي يثبت تورط هذا الكيان في زعزعة الاستقرار وانتهاك حقوق الإنسان.

فقد وثقت تقارير “المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في إيران”، بموجب قرارات مجلس حقوق الإنسان المتتالية منذ عام 2011، استخدام الحرس للقوة المفرطة ضد المتظاهرين السلميين؛ حيث أشارت تقديرات حقوقية موثقة إلى مقتل أكثر من 500 شخص واعتقال الآلاف خلال احتجاجات عام 2022 وحدها.

وعلى صعيد الأمن الدولي، أكد “فريق الخبراء المعني بإيران” التابع للأمم المتحدة في تقاريره السنوية المستندة إلى قرارات مجلس الأمن، لا سيما القرار رقم 2231 عام 2015، تورط الحرس الثوري في خرق حظر تصدير الأسلحة عبر نقل طائرات مسيرة وصواريخ باليستية إلى أطراف إقليمية.

وتُعد هذه التقارير المرجع الأساسي لاستصدار العقوبات الأممية. بالتوازي، سجلت منظمات دولية مثل “العفو الدولية” في إصداراتها عامي 2022-2023 ممارسات تعذيب ممنهجة داخل سجون يديرها الحرس، معتبرة إياها “ثقافة إفلات من العقاب”.

كما كشفت “هيومن رايتس ووتش” أدلة موثقة على تورط الحرس في تجنيد الأطفال في النزاعات المسلحة، في انتهاك صارخ لبروتوكولات الأمم المتحدة المتعلقة بحماية الأطفال، هذه الأدلة القانونية المتراكمة حولت الحرس الثوري من مؤسسة عسكرية إلى كيان تلاحقه الملاحقات القضائية الدولية بموجب القانون الدولي الإنساني.