بينما كانت الرياض تقدم نفسها للعالم كـ “وسيط نزيه” يسعى لإطفاء نار الحرب في السودان عبر مفاوضات جدة، كانت الحقائق على الأرض تروي قصة مغايرة تمامًا، حيث تحولت المملكة تدريجيًا إلى الممول العسكري واللوجستي الأول لسلطات بورتسودان، لتصبح بذلك طرفًا فاعلاً في إدامة الصراع الذي حصد أرواح مئات الآلاف.
حيث يكشف تحقيق استقصائي حديث صادر عن “المعهد العالمي للدراسات الاستراتيجية” “GISS” في لندن، النقاب عن شبكة دعم معقدة وغير معلنة تربط الرياض بجيش البرهان، ضاربةً بعرض الحائط كافة الجهود الدولية للسلام، ومحولةً موانئ المملكة ومجالها الجوي إلى جسور إمداد تزيد من معاناة الشعب السوداني وتمنح قبلة الحياة لميليشيات متطرفة تصنفها واشنطن كمنظمات إرهابية.
الجسر الجوي السري: أسلحة نوعية تدعم “كتيبة البراء”
ولم تعد المساعدات التي تصل بورتسودان تقتصر على المواد الغذائية أو المعونات الإنسانية، بل أصبحت طائرات شركات “Alpha Star Aviation” و”Sky Prime Aviation” التنفيذية تنقل شحنات عسكرية ذات طابع استراتيجي تحت غطاء دبلوماسي.
ويشير تقرير GISS الصادر في عام 2026 إلى نقل بطاريات مدفعية من طراز “M777” عيار 155 ملم، وهي أسلحة نوعية غيرت موازين القوى في جبهات القتال، إلى جانب برامج تدريب مكثفة لعناصر الجيش السوداني وميليشيات “البراء بن مالك” على استخدام هذه التكنولوجيا المتقدمة.
هذا الدعم المباشر وضع السعودية في قلب المسؤولية السياسية والقانونية عن الفظائع التي ترتكبها هذه الميليشيات المصنفة إرهابياً، خاصة وأن هذا التسليح لم يكن موجهاً للدفاع عن الدولة، بل لتعزيز قدرات تيار متشدد يرفض أي تسوية سياسية، مما أدى إلى انهيار كافة مسارات الحوار وضاعف من وتيرة العمليات العسكرية التي استهدفت المدنيين بشكل مباشر في مناطق النزاع.
منظومة “GIAD” والممر اللوجستي في ميناء جدة
وكشف التحقيق عن ثغرات لوجستية خطيرة في ميناء جدة، الذي تم استخدامه كممر آمن لنقل شحنات كيميائية ومتفجرات تستخدم في قلب العمليات الحربية، متجاوزةً بذلك كافة القوانين الدولية لحظر توريد السلاح للسودان.
حيث يتم هذا التوريد عبر وسيط استراتيجي هو شركة “Target Multiactivities Company” (TMAC)، التي تعمل كذراعٍ خفي لتغذية “منظومة الصناعات الدفاعية” السودانية (DIS) ومجموعة “GIAD” الصناعية بالمواد الخام والمواد المتفجرة.
البيانات التقنية الموثقة في التقرير تكشف عن تعاون مع شركات هندية مثل “SBL Energy Limited” و”IDL Explosives Ltd” لتوريد مواد أولية حساسة، حيث تصل هذه الشحنات إلى بورتسودان لتتحول فوراً إلى قذائف ومعدات تُستخدم في قصف المدن السودانية.
هذا التورط السعودي في دعم القاعدة الصناعية العسكرية للجيش يطرح تساؤلات ملحة حول كيفية سماح السلطات السعودية بمرور هذه المواد عبر أراضيها وموانئها، رغم علمها المسبق بأنها ستُستخدم في استمرار الحرب التي دمرت البنية التحتية للسودان.
تقارير أممية وحقوقية: جرائم الجيش السوداني في قفص الاتهام
وتتوالى التقارير الحقوقية الصادرة عن الأمم المتحدة ولجان الخبراء التي توثق جرائم حرب ممنهجة يرتكبها الجيش السوداني بقيادة البرهان، حيث أكد تقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان الصادر في مارس 2026، أن القوات المسلحة السودانية تعتمد استراتيجية “الأرض المحروقة” في استهداف التجمعات السكانية.
وفي هذا السياق، ذكرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقريرها السنوي لعام 2026، أن استمرار تدفق الأسلحة النوعية من أطراف إقليمية هو السبب الرئيسي في إفشال كافة مبادرات حماية المدنيين، مشددةً على ضرورة محاسبة الموردين والداعمين الذين يغذون آلة الحرب بالموارد المالية واللوجستية.
إن تصريحات الخبراء في تقرير GISS تتوافق مع القلق الدولي المتصاعد من استغلال “الوساطة” لتثبيت أقدام طرف على حساب الآخر؛ إذ يرى الباحثون أن السعودية، عبر تقديم شبكة دعم متكاملة من الغطاء السياسي إلى التدريب العسكري، قد حولت أزمة السودان إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.
وكل رصاصة تُطلق اليوم في الخرطوم أو دارفور باستخدام أسلحة موردة عبر المسارات السعودية تحمل جزءًا من المسؤولية الأخلاقية والجنائية على الجهات التي يسرت وصولها، وهو ما يفرض على المجتمع الدولي فتح تحقيقات مستقلة حول دور المملكة في خرق حظر السلاح الدولي المفروض على السودان.
مسؤولية تاريخية عن إطالة أمد المأساة
إن تحول الرياض من دور الوسيط الذي يستضيف أطراف النزاع في فنادق جدة، إلى الطرف الذي يملأ مستودعات الجيش السوداني بالمتفجرات والمعدات، يمثل طعنة في ظهر السلم الأهلي السوداني.
ولا يمكن فصل استمرار ميليشيا “البراء بن مالك” في عملياتها الإرهابية عن الدعم الذي تتلقاه عبر الجسور الجوية والموانئ التي تسيطر عليها المملكة، مما يجعل من الرياض شريكاً غير مباشر في عرقلة أي فرصة للسلام.
في الوقت الذي يعاني فيه ملايين السودانيين من الجوع والنزوح، تختار قوى إقليمية، وعلى رأسها السعودية، الاستثمار في “عسكرة” الأزمة لضمان بقاء نظام البرهان، متجاهلةً أن هذه السياسة لا تؤدي إلا إلى المزيد من التفتت والانهيار.
إن المسؤولية التاريخية تقتضي اليوم من كافة المنظمات الحقوقية الدولية الضغط لإيقاف هذا “الدعم المشبوه”، وفضح الممارسات اللوجستية التي جعلت من ميناء جدة منصة لإطالة أمد الحرب، بدلاً من أن يكون جسرًا لإنقاذ حياة المدنيين.

