استيقظ الجنوب الليبي على دوي الانفجارات، ليعلن عن بدء فصل جديد من فصول الصراع الدموي الذي لم يهدأ تمامًا، حيث شنت “غرفة عمليات تحرير الجنوب” عملية استهدفت مواقع عسكرية في إقليم فزان، في تحدٍ صارخ لمؤسسات الدولة.
لم تكن هذه الحادثة مجرد مواجهة عابرة، بل هي ناقوس خطر يقرع أبواب التسويات السياسية الهشة، ويعيد طرح تساؤلات وجودية حول قدرة الدولة على بسط سيادتها في منطقة تعتبر “الخاصرة الرخوة” للأمن القومي الليبي، فهل هي بداية لسقوط اتفاق وقف إطلاق النار؟
تقارير أممية توثق حالة الفوضى العارمة في فزان
حيث أشارت تقارير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا “UNSMIL”، أن منطقة الجنوب تعاني من “فراغ أمني” تستغله الجماعات المسلحة للسيطرة على طرق التهريب.
ووفقًا لتقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا الصادر في عام 2024، فإن المليشيات المسلحة في الجنوب تورطت في عمليات اتجار بالبشر وتهريب وقود تُدر عليها أرباحًا تقدر بملايين الدولارات سنويًا، مما يسمح لها بشراء ولاءات قبلية وشراء أسلحة متطورة.
وتؤكد الوقائع الموثقة في تقارير منظمة “هيومن رايتس ووتش”، أن هذه المليشيات تستخدم الترهيب القسري ضد السكان المحليين، وتفرض إتاوات على المنشآت النفطية والمطارات، مما يجعل من فزان ساحة مفتوحة لجرائم منظمة تفتقر إلى أي رقابة قانونية.
جرائم المليشيات.. صراع على النهب لا على المبادئ
وخلف الشعارات البراقة التي ترفعها “غرفة عمليات تحرير الجنوب”، تختبئ حقائق مروعة عن عمليات نهب ممنهجة. وتفيد تقارير استخباراتية دولية، استندت إليها وكالة “بلومبرغ” في تحقيقاتها عن الاقتصاد غير الشرعي بليبيا، بأن المليشيات في الجنوب الليبي تقوم بتهريب ما لا يقل عن 10 آلاف برميل وقود يوميًا عبر الحدود الصحراوية، وهو ما يسهم بشكل مباشر في استمرار أزمات الوقود في الشمال والوسط.
الفوضى المسلحة في مواجهة مشروع توحيد الجيش
كما يتزامن هذا التصعيد الأمني في الجنوب مع خطوات حثيثة نحو توحيد المؤسسة العسكرية عبر مناورات “فلينتلوك” المشتركة، وهو ما يفسر بأنه “عملية تخريب متعمدة” لنسف جهود التوافق.
وتؤكد تصريحات المسؤولين في القيادة العامة للجيش الليبي، أن هناك أطرافًا داخلية وخارجية لا مصلحة لها في استقرار ليبيا، حيث تستخدم هذه المليشيات “حرب الوكالة” لإجهاض أي فرصة لفرض القانون.
وذكر التقرير الدوري للجنة الجزاءات الدولية التابعة لمجلس الأمن، أن المليشيات في جنوب ليبيا تتلقى دعمًا لوجستيًا سريًا، مما مكنها من حيازة طائرات مسيرة وأجهزة اتصال متطورة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية عن الجهات التي تمول هذا التمرد المسلح وتدفع به في توقيتات حساسة لعرقلة المسار الديمقراطي.
وفي ظل الاضطرابات الأمنية التي تعصف بليبيا، كشف التقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الصادر في 18 يونيو 2026، عن أرقام مفزعة تجسد حجم الانتهاكات الممارسة بحق الأطفال في مناطق النزاع.
ووثق التقرير وقوع 1140 انتهاكًا جسيمًا أثرت بشكل مباشر على 56 طفلاً خلال عام 2025، تنوعت بين القتل والإصابة المتعمدة، إضافة إلى عمليات تجنيد قسري واستخدام الأطفال في العمليات العسكرية، وهو ما يُعد خرقًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.
كما سلط التقرير الضوء على ممارسات احتجاز أطفال بناءً على ارتباطات مزعومة بجماعات مسلحة، مع الإشارة إلى أن المخلفات الحربية والمتفجرات ما تزال تشكل القاتل الأول للأطفال في ليبيا، بينما حذر غوتيريش من عرقلة المساعدات الإنسانية التي بلغت 1084 حادثة، داعيًا السلطات والجهات المعنية إلى اتخاذ إجراءات فورية لمنع استغلال الأطفال وتوفير الحماية اللازمة لهم من براثن الصراعات المسلحة.
الجنوب الليبي.. صمام الأمان أم بوابة الجحيم؟
ويظل الجنوب الليبي رهينة لهذه التشكيلات المسلحة التي لا تؤمن إلا بلغة القوة والمال. وحسب تصريحات أدلى بها مراقبون دوليون لمنظمة “سود بروجكت”، فإن استمرار سيطرة المليشيات على المرافق الحيوية في سبها وما حولها قد يؤدي إلى “انهيار اقتصادي تدريجي” في المناطق المجاورة، حيث تعطل هذه الجماعات عمليات الصيانة في الحقول النفطية مثل حقل الشرارة، مما يتسبب في خسائر فادحة للخزانة الليبية.
إن المشهد في فزان يتطلب اليوم تحركًا دوليًّا حازمًا لتطبيق القرارات الأممية المتعلقة بنزع سلاح المليشيات، فترك الجنوب رهينة لهذه العمليات يعني تسليمًا لمستقبل ليبيا بيد قوى لا ترى في الدولة إلا “كعكة” لتقاسم النفوذ والسيطرة.

