ذات صلة

جمع

بين الغنوشي والمرزوقي.. صدى أصوات المنبوذين في محاولة لإعادة إنتاج الفوضى

في اللحظة التي يظن فيها "رموز العشرية السوداء" أنهم...

الجنوب الليبي يشتعل مجددًا.. هل هي عملية نوعية أم بداية لفصل جديد من الصراع؟

استيقظ الجنوب الليبي على دوي الانفجارات، ليعلن عن بدء...

اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل.. خريطة طريق لإنهاء المواجهة وفتح صفحة جديدة

دخلت العلاقات بين لبنان وإسرائيل مرحلة جديدة بعد توقيع...

أسعار العملات مقابل الجنيه المصري اليوم.. الدولار يواصل التراجع

حالة من الهدوء على سوق الصرف في مصر خلال...

أسعار الذهب اليوم عربيًا.. أحدث أسعار الأعيرة المختلفة

تشهد أسعار الذهب اليوم السبت، 27 يونيو 2026، في...

بين الغنوشي والمرزوقي.. صدى أصوات المنبوذين في محاولة لإعادة إنتاج الفوضى

في اللحظة التي يظن فيها “رموز العشرية السوداء” أنهم ما يزالون يملكون مفاتيح الشارع التونسي، يكتشفون أن الحقيقة أشد قسوة من جدران السجون والمنفى، حيث باتت دعوات راشد الغنوشي من محبسه ومنصف المرزوقي من وراء الحدود مجرد أصوات منبوذة تائهة في فضاء لا يكترث لها.

لقد انفضَّ الشارع الذي استغلوه سنوات طوال، تاركًا إياهم في مواجهة مباشرة مع سجلات المحاسبة القضائية، ليتحول الصراع اليوم من “سياسة التمكين” إلى “ضرورة التطهير”، في مشهد يعكس تحولاً جذريًا في الوعي الوطني التونسي الذي بات يدرك أن الاستقرار لا يتجزأ، وأن أوهام العودة إلى السلطة عبر بوابة الفوضى ليست سوى رهان خاسر على جوادٍ عرج، في بلدٍ اختار أخيرًا أن يقطع حبله السري مع كل من ساهم في إغراقه بالديون وتكبيله بسياسات لا تخدم سوى التنظيمات العابرة للحدود.

عندما يصبح الفساد عقيدة: التركة الثقيلة للإخوان في تونس

ولم تكن سنوات حكم حركة النهضة مجرد فترة عابرة في تاريخ تونس، بل كانت حقبة وُصفت بـ “العشرية السوداء” نظراً لحجم التجاوزات التي طالت كافة مفاصل الدولة.

حيث تشير تقارير صادرة عن “اللجنة الوطنية للتحاليل المالية” إلى تحويلات مشبوهة بملايين الدنانير نحو شبكات تمويل مرتبطة بالتنظيم؛ مما أدى إلى تآكل قيمة الدينار التونسي وتفاقم العجز في الميزانية العامة.

ووفقًا لبيانات “البنك الدولي” للفترة بين 2012 و2021، فقد تضاعفت الديون التونسية بشكل مخيف نتيجة سوء الإدارة الممنهج، حيث ركزت الطبقة السياسية آنذاك على “التمكين الحزبي” بدلاً من بناء اقتصاد حقيقي؛ مما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب إلى أكثر من 18% بحلول عام 2021.

وعلاوة على ذلك، أظهرت تقارير استقصائية موثقة كيف تم اختراق المؤسسات الأمنية عبر “الجهاز الموازي”، وهو ما ذكره “تقرير لجنة الدفاع عن شكري بلعيد ومحمد البراهمي”، الذي قدم تفاصيل صادمة عن تسهيل سفر آلاف الشباب التونسيين نحو بؤر التوتر، بتواطؤ صريح من قيادات حزبية كانت ترى في الإرهاب ورقة ضغط سياسي لا خطرًا وطنيًا، وهو الأمر الذي وثقته أيضًا تقارير حقوقية دولية حذرت من غياب الرقابة الأمنية خلال تلك الفترة السوداء.

القضاء بين مطرقة العدالة وسندان التدويل المشبوه

وفي مواجهة المحاسبة، اتخذ منصف المرزوقي أسلوبًا عدائيًا ضد المؤسسة القضائية، مستخدمًا شكاوى أمام مؤسسات أممية في مارس 2024 لعرقلة مسار العدالة، متجاهلاً “مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية” التي تمنع التدخل في سير المحاكمات المحلية.

محاولات يائسة: “نداء الزنازين” كاستراتيجية أخيرة للإفلات من المحاسبة

وخلف القضبان التي أغلقت أبوابها على تاريخ طويل من التجاوزات، يحاول زعيم حركة النهضة الإخوانية راشد الغنوشي، بمعية عدد من الموقوفين في قضايا التآمر على أمن الدولة، ترتيب أوراقهم عبر ما بات يُعرف إعلاميًا بـ “نداء الزنازين”، وهي مناورة سياسية لا تعدو كونها ورقة أخيرة في محاولة يائسة للإفلات من قبضه العدالة.

ولا يعكس هذا التحرك المفاجئ رغبة حقيقية في لمّ الشمل الوطني، بقدر ما يمثل تكتيكًا إخوانيًا قديمًا للهروب من العزلة الشعبية الخانقة، عبر محاولة الاندماج مجددًا داخل صفوف القوى المدنية والسياسية التي طالما عانت من إقصاء الجماعة وتكفيرها لمخالفيها خلال سنوات “العشرية السوداء”.

إن محاولات الغنوشي ومن معه للضغط على القضاء عبر بوابة السياسة تكشف عن استراتيجية استنساخ الفشل، حيث تظل الملاحقات القانونية القائمة في ملفات الإرهاب والفساد والتخابر هي الحقيقة الثابتة التي لا تغطيها بيانات “فيسبوك” العاطفية أو محاولات الاستقواء بالخارج، ليبقى هذا “النداء” مجرد مناورة مكشوفة في طريقٍ مسدود.

وعي الشارع: سد منيع أمام استراتيجية الفوضى

وتعتمد الاستراتيجية الإخوانية الحالية على تحريك “خلايا نائمة” في الشارع لمحاكاة احتجاجات عام 2021، لكن الواقع يؤكد أن التونسيين الذين ذاقوا مرارة التضخم وانهيار الخدمات الأساسية خلال سنوات حكم “النهضة” يرفضون اليوم الانجرار خلف أي خطاب تحريضي.

فالحقائق والوقائع والأرقام تثبت أن الغنوشي والمرزوقي ليسا سوى أطراف في منظومة انهارت تحت وطأة فسادها، وأن دعواتهم للفوضى ليست سوى أنفاس أخيرة لتنظيم فقد حاضنته الشعبية وفقد معها مشروعيته السياسية، لتبقى تونس اليوم في رحلة استعادة عافيتها، متمسكةً بمسار المحاسبة الذي لا رجعة فيه، ومؤكدة للعالم أن سيادتها الوطنية فوق كل الاعتبارات الحزبية والأجندات الدولية التي حاول “المنبوذون” توظيفها لخدمة مصالحهم الضيقة.