لم يعد الصراع مع حزب الله يدور فقط في ساحات القتال، بل انتقل بصورة متزايدة إلى البنوك وشركات الصرافة والذهب والتجارة والشبكات المالية العابرة للحدود، بعدما أصبحت مصادر تمويل الحزب هدفًا مباشرًا للعقوبات الدولية، وفي مقدمتها العقوبات الأمريكية التي تكشف في كل جولة جديدة عن مسارات تقول واشنطن إنها تُستخدم لنقل الأموال من إيران إلى الحزب وتمويل أنشطته العسكرية.
وفي أحدث التحركات، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في 20 مارس 2026 فرض عقوبات على شبكة تضم 16 شخصًا وكيانًا يقودها الممول المرتبط بحزب الله علاء حسن حمية، وقالت: إن الشبكة مكنت من تحويل أكثر من 100 مليون دولار منذ عام 2020 عبر مشاريع وشركات موجودة في عدة دول، معتبرة أن هذه الأموال تمثل مصدرًا مهمًا لتمويل الحزب.
من أين تأتي أموال حزب الله؟
تضع الخزانة الأمريكية العلاقة المالية بين إيران وحزب الله في قلب استراتيجية العقوبات، وتقول: إن طهران تمثل مصدرًا رئيسيًا للتمويل الذي يصل إلى الحزب عبر قنوات ووسطاء وشركات وشبكات مالية، فيما يحاول الحزب تعويض الضغوط على مصادر دخله باستخدام الاقتصاد النقدي وشركات الصرافة والأنشطة التجارية.
وفي نوفمبر 2025، أعلنت الخزانة الأمريكية استهداف أفراد قالت إنهم ساعدوا في تحويل عشرات الملايين من الدولارات من إيران إلى حزب الله خلال العام نفسه، باستخدام شركات صرافة مرخصة وغير مرخصة للاستفادة من طبيعة الاقتصاد النقدي في لبنان، مشيرة إلى أن الأموال تُستخدم لدعم القوات التابعة للحزب وإعادة بناء بنيته العسكرية.
وفي 10 فبراير 2026، اتسعت دائرة العقوبات لتشمل شركة جود للصرافة وتجارة الذهب، التي قالت وزارة الخزانة الأمريكية إنها تعمل تحت إشراف مؤسسة القرض الحسن المرتبطة بحزب الله، وتستخدم احتياطيات الذهب وتحولها إلى أموال قابلة للاستخدام، بالتزامن مع استهداف شبكة دولية للمشتريات والسلع يديرها ممولون مرتبطون بالحزب.
وتكشف هذه الخطوة، أن الضغط المالي لم يعد يستهدف الحسابات المصرفية التقليدية فقط، وإنما امتد إلى الذهب والتجارة وسلاسل التوريد، في محاولة لتجفيف الموارد التي يمكن تحويلها إلى سيولة تستخدم في تمويل النشاط العسكري أو إعادة بناء البنية التنظيمية.
وتكتسب العقوبات التي أعلنت في مارس 2026 أهمية خاصة بسبب الرقم الذي كشفته وزارة الخزانة الأمريكية، إذ قدرت الأموال التي جرى تحويلها عبر الشبكة المستهدفة بأكثر من 100 مليون دولار منذ عام 2020، وقالت: إن الشبكة امتدت إلى لبنان وسوريا وبولندا وسلوفينيا وقطر وكندا.
ويشير هذا الانتشار الجغرافي إلى أن مواجهة التمويل لا تتعلق بمسار واحد يمكن إغلاقه بسهولة، وإنما بشبكة متعددة الحلقات تعتمد على شركات وأفراد وعمليات تجارية تسمح، وفق الاتهامات الأمريكية، بإخفاء حركة الأموال وإعادة إدخالها إلى النشاط المالي بصورة يصعب تتبعها.
إيران تحت ضغط مالي متصاعد
ولا تنفصل أزمة تمويل حزب الله عن الضغط المالي الأوسع الذي تواجهه إيران، إذ أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في أبريل 2026 أنها فرضت، منذ فبراير 2025، عقوبات على نحو 1000 شخص وسفينة وطائرة مرتبطة بإيران ضمن حملة تستهدف شبكات التمويل والالتفاف على العقوبات.
وفي سبتمبر 2025، كشفت الخزانة الأمريكية عن شبكة مالية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني قالت إنها نسقت لشراء أكثر من 100 مليون دولار من العملات المشفرة المرتبطة بمبيعات النفط، كما أشارت إلى تعاملات شملت وسيطًا مرتبطًا بحزب الله كان يوفر محافظ رقمية لاستقبال أموال مرتبطة بمبيعات السلع الإيرانية.
حزب الله والضغط على الدولة اللبنانية
ولا يقتصر الجدل حول حزب الله على الجانب المالي، إذ يرتبط أيضًا بمسألة حصر السلاح والقرار الأمني داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وهي القضية التي تواصل الأمم المتحدة التأكيد على ارتباطها بتطبيق قرار مجلس الأمن 1701.
وفي مارس 2026، أظهرت مواد تابعة للأمم المتحدة استمرار رصد أسلحة جنوب نهر الليطاني في سياق الحديث عن انتهاكات القرار 1701، بينما تظل مسألة نزع سلاح الجماعات المسلحة، وفي مقدمتها حزب الله، جزءًا أساسيًا من النقاش حول قدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها على كامل أراضيها.
وتأتي الضغوط المالية في وقت شهد فيه لبنان تداعيات إنسانية وأمنية بالغة خلال موجات التصعيد الأخيرة، إذ قالت الأمم المتحدة في يونيو 2026: إن التصعيد الذي بدأ في 2 مارس مع إطلاق نار من جانب حزب الله ورد عسكري إسرائيلي أدى إلى نزوح نحو 815 ألف شخص داخل لبنان.
وتكشف هذه الأرقام حجم الكلفة الإنسانية للصراع بالنسبة إلى المدنيين، بينما تؤكد الأمم المتحدة في الوقت نفسه ضرورة حماية السكان والالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وهو ما يجعل استمرار النشاط العسكري لأي طرف عاملًا إضافيًا في تعقيد الأزمة اللبنانية وإطالة آثارها الإنسانية.
وتشير وثائق الأمم المتحدة المتعلقة بلبنان إلى أن تطبيق القرار 1701 يتضمن بنودًا واضحة بشأن منطقة جنوب الليطاني والسلاح غير التابع للدولة، كما مددت الأمم المتحدة في أغسطس 2025 مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان للمرة الأخيرة، مع مطالبة الأمين العام بتقديم خيارات مستقبلية بشأن تنفيذ القرار.
وفي الوقت ذاته، لا تقدم التقارير الأممية توصيفًا واحدًا لكل الانتهاكات التي وقعت خلال الصراع، بل توثق انتهاكات وأضرارًا ارتكبتها أطراف متعددة، وهو ما يجعل القراءة الدقيقة للوقائع ضرورية لتجنب الخلط بين الاتهامات السياسية والاستنتاجات القانونية التي تحتاج إلى أدلة وتحقيقات مستقلة.
وفي 21 مايو 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على تسعة أشخاص في لبنان، قالت إنهم مرتبطون بحزب الله ويعملون على عرقلة مسار السلام ونزع سلاح الحزب، مشيرة إلى أن هؤلاء الأشخاص موجودون في دوائر سياسية وأمنية وبرلمانية لبنانية.
وتعكس هذه الخطوة توسع نطاق الضغط من الممولين والشركات إلى شخصيات مرتبطة بالبنية السياسية التي تقول واشنطن إنها تساعد الحزب على الحفاظ على نفوذه داخل مؤسسات الدولة، ما يعني أن العقوبات باتت تستهدف ليس فقط حركة الأموال وإنما البيئة التي تمكنها من الاستمرار.
معركة المال تفتح جبهة جديدة
وتكشف التطورات الأخيرة، أن معركة حزب الله لم تعد مرتبطة بالسلاح وحده، وإنما أصبحت معركة متكاملة تشمل مصادر التمويل وشركات الصرافة والذهب والتجارة والشبكات العابرة للحدود، بالتوازي مع الضغط السياسي المرتبط بمستقبل سلاح الحزب وعلاقته بمؤسسات الدولة اللبنانية.
ومع استمرار العقوبات الأمريكية وتكثيف متابعة شبكات التمويل الإيرانية، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من الضغوط على القنوات التي يعتمد عليها حزب الله في الحصول على الأموال، بينما يبقى نجاح هذه الاستراتيجية مرتبطًا بقدرة الجهات الدولية واللبنانية على تتبع الأموال غير الرسمية ومنع إعادة تدويرها عبر شركات وواجهات جديدة.
وتؤكد الوقائع المعلنة خلال 2025 و2026، أن ملف تمويل حزب الله أصبح أحد أكثر الملفات حساسية في المواجهة مع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعدما انتقلت المعركة من استهداف أفراد محددين إلى ملاحقة شبكات كاملة تضم شركات ومؤسسات ووسطاء في عدة دول، وهو ما يجعل المال الإيراني في مرمى العقوبات بصورة أكثر مباشرة من أي وقت مضى.

