لم تعد بورتسودان مجرد مدينة ساحلية أو مرفأ للصادرات والواردات، بل تحولت في ظل سلطة البرهان إلى ساحة معقدة لهندسة ديموغرافية قسرية تثير الكثير من التساؤلات حول طبيعة الأهداف السياسية والاقتصادية التي يسعى النظام لتحقيقها.
إن ما تشهده المدينة اليوم يتجاوز كونه إجراءات إدارية، ليمثل ما يمكن وصفه بـ “تطهير الموانئ”، حيث تتبع السلطة سياسات ممنهجة تهدف إلى تغيير التركيبة السكانية بما يضمن سيطرة مطلقة على مفاصل الدولة الحيوية، مستغلة في ذلك حالة الاضطراب العام التي يعيشها السودان لفرض واقع جديد يخدم مصالح ضيقة على حساب التماسك الوطني والنسيج الاجتماعي للمنطقة.
هندسة التغيير القسري: تحويل بورتسودان إلى قاعدة سلطوية
حيث تعتمد سلطة البرهان في بورتسودان على استراتيجية تهدف إلى إفراغ المدينة من فئات اجتماعية معينة، وإعادة توطين كيانات أخرى موالية لها أو أكثر خضوعًا لتوجيهاتها الأمنية والسياسية وإن هذه السياسة، التي تغلفت في البداية بشعارات “تأمين الموانئ” و”تنظيم الوجود الأجنبي أو السكاني”، سرعان ما كشفت عن وجهها الحقيقي كعملية تطهير ديموغرافي بدوافع اقتصادية بحتة.
الهدف هنا ليس تنظيم الموارد، بل السيطرة الكاملة على عوائد الميناء وخطوط الإمداد، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا عبر خلق بيئة سكانية متجانسة سياسيًا مع توجهات السلطة الحاكمة، مما يجعل من التهجير القسري أداة حكم لا غنى عنها.
التطهير العرقي الاقتصادي: السيطرة على الموارد كأولوية
الربط بين التغيير الديموغرافي والسيطرة على الموارد في بورتسودان ليس محض صدفة. فالميناء يمثل الشريان الاقتصادي الأهم للسودان، والتحكم فيه يعني التحكم في مفاتيح الاقتصاد الوطني.
لذا، فإن السياسات المتبعة من قبل سلطة البرهان تهدف إلى تفكيك النفوذ التقليدي للسكان المحليين وإحلال كيانات مرتبطة بالنظام العسكري وإن “التطهير العرقي الاقتصادي” هنا يمارس عبر قرارات إدارية قاسية، تضييق الخناق على فئات سكانية محددة، وإعادة توزيع الأراضي والمرافق الاستراتيجية بما يضمن بقاء هذه الموارد تحت سيطرة “دولة داخل الدولة” التي يشرف عليها البرهان وأجهزته الأمنية.
خلف ستار “الأمن”.. التداعيات الكارثية للسياسات الإقصائية
تستخدم سلطة بورتسودان الهاجس الأمني كغطاء لتمرير مخططاتها الديموغرافية. ومن خلال فرض قيود صارمة على حركة الأفراد وتصنيف السكان بناءً على ولاءات سياسية أو إثنية، تنجح السلطة في خلق حالة من التوتر المستمر التي تبرر اتخاذ إجراءات استثنائية.
هذه الإجراءات، وإن بدت في ظاهرها إجراءات لضبط الأمن، إلا أنها في جوهرها تمثل انتهاكًا ممنهجًا للحقوق الأساسية للسكان.
إن تفكيك النسيج الاجتماعي في بورتسودان لا ينذر فقط بأزمات إنسانية، بل يهدد بإشعال فتيل صراعات محلية طويلة الأمد قد تؤدي إلى انهيار الاستقرار في إقليم شرق السودان بالكامل.
استراتيجية السيطرة: البرهان وهندسة المجتمع
إن الطموح الإيراني في التمدد نحو أفريقيا قد وجد صدى لدى بعض القوى التي تدعم سياسات البرهان، حيث يتم استنساخ نماذج حكم تعتمد على “الميليشيات الموالية” والسيطرة على المنافذ البحرية.
في بورتسودان، تعمل سلطة البرهان على تحويل المدينة إلى قلعة حصينة لا تدين بالولاء إلا للنظام العسكري، وذلك من خلال إقصاء كل من لا يتوافق مع رؤيتها السياسية وإن هذا النوع من هندسة المجتمع يعتمد على الترهيب والترغيب، حيث يتم توزيع الامتيازات الاقتصادية على الموالين وحرمان المعارضين، مما يعمق الفجوة الاجتماعية ويحول بورتسودان إلى مجتمع منقسم يعيش على صفيح ساخن.
كما ان استمرار سلطة البرهان في تنفيذ مخططاتها الديموغرافية في بورتسودان يعني دفع البلاد نحو مزيد من التفكك وإن سياسة “تطهير الموانئ” ليست سوى فصل من فصول أزمة وطنية أعمق، حيث يتم تغليب المصالح السلطوية على مصلحة الدولة والمواطن.
وإن العالم اليوم مدعو لمراقبة هذه التحركات بدقة، فما يجري في بورتسودان قد يتحول إلى بؤرة جديدة لعدم الاستقرار العابر للحدود، خاصة في ظل تقاطع المصالح المريبة مع جهات دولية وإقليمية تسعى لإيجاد موطئ قدم لها في البحر الأحمر.
وإن كشف هذه السياسات هو الخطوة الأولى لاستعادة سيادة القانون وحماية النسيج الاجتماعي السوداني من التفكيك الممنهج الذي تمارسه السلطة الحالية.

