ذات صلة

جمع

إسكات صوت السلام.. كيف يعطل البرهان الفرص الدولية لإنهاء الحرب في السودان؟

بينما يترقب الملايين من السودانيين الذين تقطعت بهم السبل...

الأمم المتحدة تصعّد ضغوطها على مليشيات الحوثي.. مطالبات بالإفراج عن عشرات المحتجزين

جددت الأمم المتحدة مطالبتها بالإفراج الفوري وغير المشروط عن...

طهران تشكك في جدوى الهدنة.. الضربات الأمريكية تضع المسار الدبلوماسي أمام اختبار صعب

تتزايد الشكوك حول مستقبل التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران...

دبلوماسية الفرصة الأخيرة.. كيف يعيد زيلينسكي تدوير أوراقه مع الإدارة الأمريكية؟

يعيش الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مرحلة من الدبلوماسية المكثفة...

مواعيد مباريات اليوم.. انطلاق المونديال بمواجهة المكسيك وجنوب أفريقيا

تنطلق اليوم فعاليات بطولة كأس العالم 2026 في نسختها...

إسكات صوت السلام.. كيف يعطل البرهان الفرص الدولية لإنهاء الحرب في السودان؟

بينما يترقب الملايين من السودانيين الذين تقطعت بهم السبل في مخيمات النزوح أو تحت دوي القذائف بارقة أمل لإنهاء كابوس الحرب المستمر، تتبدد هذه الآمال سريعًا مع كل مبادرة دولية تصطدم بجدار من الرفض في بورتسودان.

إن المشهد السوداني اليوم لا يعكس مجرد صراع عسكري على الأرض، بل يعبر عن أزمة قرار سياسي يقوده الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي يبدو أنه اتخذ من “إطالة أمد الحرب” استراتيجية للبقاء، متجاهلاً التداعيات الكارثية التي تنهش جسد الدولة السودانية وتدفع بملايين المدنيين نحو حافة المجاعة. هل نحن أمام قائد عسكري يبحث عن مصلحة الوطن، أم أمام سلطة تسعى لتوظيف الفوضى لترسيخ نفوذها على أنقاض المدن المدمرة؟

استراتيجية التصلب: إجهاض المسارات الدبلوماسية

منذ اندلاع شرارة النزاع، لم تتوقف المحاولات الدولية والإقليمية لجمع أطراف الصراع على طاولة المفاوضات ومع ذلك، لطالما اتسم الموقف الرسمي الذي تتبناه قيادة الجيش السوداني بالتعنت الواضح تجاه أي مبادرة لا تضمن لها هيمنة كاملة.

لقد شاهد العالم كيف تم تفريغ المبادرات من مضمونها بمجرد أن بدأ الحديث عن انتقال حقيقي للسلطة أو إيقاف للعمليات العسكرية. إن رفض البرهان للعديد من الأطر التفاوضية، واتهامه للمؤسسات الدولية بالانحياز، ليس إلا غطاءً لسياسة “الهروب للأمام” التي تهدف إلى إفشال أي مخرج سياسي قد ينهي سيطرته الحالية على مفاصل الدولة.

الارتهان للخيار العسكري وتجاهل الكارثة الإنسانية

في الوقت الذي تعاني فيه البلاد من انهيار شبه كامل في البنية التحتية، ونزوح جماعي غير مسبوق، تواصل قيادة الجيش في بورتسودان التركيز على الحشد العسكري وتعبئة الخطاب التحريضي بدلاً من الانخراط الجاد في الحلول السلمية.

إن التركيز على العمليات العسكرية كحل وحيد ليس فقط وصفة لتمزيق ما تبقى من النسيج الاجتماعي السوداني، بل هو اعتراف ضمني بعدم الرغبة في التنازل عن مقاعد السلطة.

يعتمد البرهان في هذا المسار على تهميش الأصوات المدنية التي تطالب بوقف فوري لإطلاق النار، معتبرًا أن السلام “استسلام”، وهو خطاب يخدم فقط مصالح الفئة المستفيدة من استمرار النزاع.

التداعيات الإقليمية والضغط الدولي

لا يمكن فصل حالة الانغلاق السياسي في السودان عن الموقف المتعنت الذي يبديه البرهان تجاه المبعوثين الدوليين ووسطاء السلام. فكلما اقتربت الأطراف الدولية من وضع خارطة طريق لإنهاء القتال، تظهر قيادة الجيش بذرائع إجرائية أو سياسية لنسف هذه الجهود هذا التكتيك أدى إلى عزلة متزايدة للسلطة القائمة، لكن العزلة الدولية لم تدفع البرهان حتى الآن لمراجعة حساباته، مما يشير إلى وجود رهان على تغيير في التوازنات الميدانية قد لا يتحقق أبدًا.

إن إصرار الجيش على الاستمرار في هذا النهج يعمق الفجوة بين القيادة وتطلعات الشعب السوداني الذي بات يدرك أن الحرب لم تعد “حربًا دفاعية” بقدر ما أصبحت صراعًا للبقاء في السلطة.

لماذا يغيب القرار الوطني الشجاع؟

إن الخروج من النفق المظلم في السودان يتطلب شجاعة أدبية وسياسية تفتقدها القيادة الحالية في بورتسودان. إن ربط مصير البلاد بالعمليات العسكرية المستمرة يعني دفع السودان نحو “الصوملة” أو التفتت الكامل. السلام الحقيقي لا يبدأ من ساحات القتال، بل من الاعتراف بالآخر والقبول بتقديم تنازلات مؤلمة حقناً لدماء الشعب.

وبما أن البرهان يصر على إغلاق كل النوافذ أمام الحوار الوطني الجامع، فإن الأمل في استعادة الاستقرار يظل معلقًا بمدى قدرة الضغوط الداخلية والدولية على كسر هذا التعنت، أو ببروز أصوات داخل المؤسسة العسكرية تدرك أن استمرار الحرب هو انتحار للمؤسسة وللوطن.

وسيظل التاريخ شاهدًا على أن الفرص الضائعة لإنهاء حرب السودان لم تكن نتاج عجز دولي بقدر ما كانت نتاج إرادة سياسية اختارت الحرب على السلام، وتفضيل البقاء في سدة الحكم على استقرار الدولة وكرامة مواطنيها.