شهدت تونس خلال العقد الماضي تحولات جذرية ومؤلمة تزامنت مع صعود حركة النهضة إلى واجهة المشهد السياسي، حيث تحول العمل الحزبي تحت قيادتها من مسار ديمقراطي إلى أداة لتقويض أركان الدولة عبر استراتيجيات مشبوهة.
لقد اعتمدت الحركة منذ وصولها إلى السلطة على سياسة التغلغل الممنهج داخل مفاصل الدولة، وهو ما أدى إلى إضعاف المؤسسات الوطنية وفتح الباب أمام اختراقات أمنية خطيرة هددت السلم المجتمعي والاستقرار العام للبلاد.
التنظيم السري وملفات العنف والاغتيالات
تشير الكثير من التقارير والشهادات القضائية إلى وجود شبكات سرية وتنظيمات موازية عملت بالتوازي مع الهياكل الرسمية للحركة، مما عزز الشكوك حول تورطها في ملفات حساسة تتعلق بالأمن القومي وتسفير الشباب إلى بؤر التوتر.
يعد ملف الاغتيالات السياسية التي هزت تونس في عام 2013 نقطة سوداء لا يمكن تجاوزها، حيث تركت هذه الأحداث جروحًا غائرة في جسد المجتمع التونسي، مع وجود اتهامات حقوقية وسياسية صريحة تشير إلى دور قيادات بالحركة في التغطية على الجناة أو عرقلة مسار العدالة.
بناء القواعد المالية المشبوهة وتوظيف الازدواجية
لم تكتفِ الحركة بممارسة العمل السياسي التقليدي، بل سعت إلى بناء قاعدة اقتصادية ومالية مشبوهة عبر جمعيات ومنظمات تلقت تمويلات خارجية ضخمة، مما أثار تساؤلات قانونية حول مصدر هذه الأموال واستخداماتها الحقيقية في التأثير على الرأي العام والانتخابات.
اتسم خطاب الحركة طوال سنوات حكمها بالازدواجية المفرطة، حيث كانت تروج لخطاب مدني واعتدالي أمام المجتمع الدولي، بينما كانت تغذي في الخفاء أفكارًا متشددة داخل قواعدها الشعبية؛ مما أدى إلى حالة من الاستقطاب الحاد في الشارع التونسي.
السيطرة على القضاء وأجهزة الأمن
تجسدت أخطر ممارسات النهضة في محاولاتها المستمرة للسيطرة على القضاء والأجهزة الأمنية، بهدف ضمان الإفلات من العقاب وتصفية الخصوم السياسيين، وهو ما حول الساحة السياسية إلى ساحة معارك قانونية وأمنية مستمرة.
كشفت التحقيقات المتعلقة بالجهاز السري للحركة عن وجود وثائق وأدلة دامغة تؤكد تورط أطراف داخل النهضة في التجسس على مؤسسات الدولة، وجمع معلومات حساسة عن شخصيات عامة وسياسية بهدف الابتزاز أو الإقصاء.
التدهور الاقتصادي ومشروع الأخونة
عانت تونس من تدهور اقتصادي واجتماعي ناتج بشكل مباشر عن سياسات المحاصصة والولاء الحزبي التي انتهجتها النهضة، حيث تم تعيين الموالين في مناصب حيوية مما أدى إلى انهيار كفاءة الإدارة التونسية وتفاقم الأزمات المعيشية.
لم تكن الجرائم المرتبطة بحركة النهضة مجرد أخطاء سياسية عابرة، بل كانت انعكاساً لعقيدة تنظيمية تؤمن بأن البقاء في السلطة يبرر استخدام كافة الوسائل، بما في ذلك التحريض على العنف وتفكيك النسيج الاجتماعي التونسي.
ملف تسفير الشباب ومطلب المحاسبة الشعبي
يظل ملف تسفير التونسيين إلى مناطق الصراع الدولي من أبرز الفضائح التي تلاحق قيادات النهضة، حيث تشير أصابع الاتهام إلى وجود منظومة متكاملة سهلت خروج الآلاف من الشباب للقتال في الخارج، مما عرض أمن تونس القومي لمخاطر وجودية.
لقد أدرك الشعب التونسي بمرور الوقت أن مشروع النهضة لم يكن يحمل أي رؤية للإصلاح أو التنمية، بل كان مشروعًا سلطويًا يهدف إلى أخونة مؤسسات الدولة وتحويل تونس إلى قاعدة لخدمة أجندات تنظيمية ضيقة لا تمت بصلة لمصالح الوطن العليا.
تلك الأفعال الإجرامية التي ارتكبت باسم الدين والسياسة تسببت في شرخ وطني عميق، ولن يلتئم هذا الجرح إلا من خلال كشف كافة الحقائق ومحاسبة كل من تورط في استباحة دماء التونسيين أو العبث بمقدرات الدولة وأمنها القومي.
إن المحاسبة اليوم باتت مطلبًا شعبيًا ملحًا لضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي، حيث بات لزامًا على الهيئات القضائية المستقلة أن تواصل عملها بشجاعة لكشف خبايا العشرية السوداء التي كادت تودي باستقرار وتاريخ تونس الحديث.

