لم تعد محاولات التأثير في الانتخابات الأميركية تقتصر على استهداف صناديق الاقتراع أو العبث بإجراءات التصويت، بل امتدت إلى المجال الذي تتشكل فيه قناعات الناخبين، فمقطع فيديو مفبرك، أو استطلاع رأي مضلل، أو رسالة تنتشر عبر حسابات مؤثرة، قد تسهم في تغيير صورة مرشح أو مؤسسة سياسية، حتى قبل وصول الناخب إلى مركز الاقتراع.

وتكمن خطورة هذا النوع من التدخل في أن تأثيره لا يتوقف عند نشر معلومات زائفة، بل قد يمتد إلى تقويض الثقة في الأخبار الصحيحة، بحيث يصبح التمييز بين الحقيقة والتلاعب أكثر صعوبة، وتتحول مصداقية المؤسسات الإعلامية والسياسية إلى جزء من الصراع الانتخابي.
ومع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية، تتداخل مخاوف التدخل الخارجي مع الاستقطاب الداخلي، في معركة لم يعد ميدانها صندوق التصويت وحده، وإنما المنصات الرقمية وشبكات التواصل والبيئة المعلوماتية المحيطة بالناخب.
من التأثير في الرسائل إلى التشكيك في الانتخابات
ويمثل التأثير في اتجاهات الرأي العام أحد أبرز مسارات التدخل الخارجي، إذ يمكن توظيف المحتوى الرقمي لتضخيم مواقف سياسية معينة، أو إضعاف الثقة بمرشحين ومؤسسات، أو تعزيز الانقسامات بين فئات المجتمع.
ويختلف هذا المسار عن التلاعب المباشر بآليات التصويت؛ فالتأثير في المعلومات التي يتلقاها الناخب لا يعني بالضرورة اختراق أنظمة الاقتراع أو تغيير نتائج فرز الأصوات، لكن الفصل بين المسارين لا يقلل من خطورة الأول، لأن توجيه النقاش العام وتشكيل الانطباعات قد يؤثران في السلوك الانتخابي بصورة غير مباشرة.
كما أدى تطور أدوات الذكاء الاصطناعي إلى خفض تكلفة إنتاج المواد المفبركة، وزيادة قدرتها على الانتشار والتكيف مع اهتمامات شرائح مختلفة من الجمهور.
وأصبحت عمليات التلاعب قادرة على استخدام مقاطع مرئية وأصوات وصور تبدو واقعية، بما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة بالنسبة للمستخدم العادي.
شبكات رقمية وأدوات أكثر تعقيدًا
يرتبط الجدل حول التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية بتاريخ طويل من التنافس بين موسكو والغرب، إلا أن طبيعة المواجهة تغيرت مع اتساع الاعتماد على المنصات الرقمية وتعدد الجهات التي يمكنها نشر الرسائل وتضخيمها.
ومن بين الشبكات التي وردت في تقارير غربية شبكة “ستورم-1516″، التي ارتبط اسمها بنشر مواد ومقاطع مضللة، إلى جانب شبكات تحمل اسم “برافدا”. ويتيح تعدد الحسابات والمنصات لهذه الحملات الوصول إلى جمهور واسع، وإعادة تدوير المحتوى عبر قنوات مختلفة، بما يصعّب تتبع مصدره الأصلي.
وتتقاطع الرسائل المنسوبة إلى هذه الشبكات مع ملفات خلافية في السياسة الأميركية، من بينها الحرب في أوكرانيا، والعقوبات المفروضة على روسيا، ومستقبل حلف شمال الأطلسي. وتكمن أهمية هذه القضايا في قدرتها على استقطاب الناخبين وإثارة خلافات قائمة بالفعل داخل المجتمع الأميركي.
لكن وجود محتوى مؤيد لمرشح أو متوافق مع مصالح دولة أجنبية لا يكفي وحده لإثبات وجود توجيه حكومي مباشر؛ إذ يتطلب تحديد المسؤولية التمييز بين نشاط الأفراد، والحملات المنظمة، والعمليات التي تقف وراءها مؤسسات رسمية.
الذكاء الاصطناعي يربك حدود الحقيقة
لا تقتصر المخاطر على مقاطع الفيديو المفبركة، بل تشمل أيضًا استطلاعات رأي مزيفة، ورسائل تنتحل هوية مؤسسات أو شخصيات عامة، وحملات تعتمد على مؤثرين لنشر محتوى قد لا يدرك بعضهم أنه جزء من عملية تضليل.
وتزداد صعوبة المواجهة مع سرعة إنتاج المواد المصطنعة وإعادة نشرها، خصوصًا عندما تُصمم لتناسب اهتمامات المستخدمين وتستفيد من الخلافات السياسية القائمة. وقد يؤدي انتشار هذه المواد إلى إضعاف قدرة الجمهور على التحقق من المعلومات قبل تداولها أو بناء مواقف سياسية عليها.
والأثر الأعمق يتمثل في اتساع الشك ليشمل المحتوى الحقيقي أيضًا. فعندما يعتاد الجمهور مشاهدة مواد مفبركة يصعب اكتشافها، قد يتعامل بالريبة مع تسجيلات موثقة أو تقارير صحيحة، وهو ما يخلق أزمة ثقة تتجاوز الانتخابات إلى المؤسسات الإعلامية والسياسية عمومًا.
وفي المقابل، لا يمكن اعتبار كل احتجاج أو خلاف سياسي في الولايات المتحدة أو أوروبا نتيجة لتدخل خارجي؛ فهذه المجتمعات تشهد انقسامات داخلية لها أسبابها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وإن كانت جهات خارجية قد تحاول استثمارها وتوسيع آثارها.
موسكو وواشنطن.. تبادل الاتهامات وحدود التأثير

تظل الاتهامات المتبادلة بشأن التدخل الروسي موضع خلاف سياسي، خصوصًا مع رفض موسكو تحميلها مسؤولية التجاذبات الانتخابية الأميركية. كما أن وجود تواصل رقمي أو منشورات صادرة عن أفراد روس لا يمثل، في حد ذاته، دليلًا على تورط الدولة الروسية في توجيهها.
وتعكس العلاقة بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين بدورها تعقيد الحسابات السياسية؛ فالتقارب في بعض المواقف أو تفضيل نهج تفاوضي لا يعني تطابق المصالح، خاصة في ظل استمرار الخلافات بشأن أوكرانيا والأمن الاستراتيجي والعلاقات بين روسيا والغرب.
وبالنسبة إلى موسكو، تظل السياسة الأميركية تجاه أوكرانيا والعقوبات وحلف شمال الأطلسي ملفات أساسية في حساباتها، بصرف النظر عن هوية الحزب الذي يحقق مكاسب انتخابية داخل الكونغرس.

