ذات صلة

جمع

ذوبان نهر يوم القيامة الجليدي.. ماذا يحدث لمستوى سطح البحر خلال العقود المقبلة؟

تخيل أن يتوقف السبب المباشر الذي يسرّع ذوبان نهر...

أزمة رغيف الخبز وانهيار الدينار.. كيف تسببت الميليشيات والانقسام السياسي في تجويع الشعب الليبي؟

يقف المواطن الليبي اليوم أمام فصل جديد وأكثر قسوة من فصول المأساة المعيشية؛ إذ لم تعد الانتهاكات في ليبيا تقتصر على الانفلات الأمني والسلاح المنفلت، بل امتدت لتطال “خط الدفاع الأخير” عن كرامة وقوت الأسر، والمتمثل في رغيف الخبز اليومي.

وفي تطور دراماتيكي أثار موجة غضب واستياء شعبي عارم في مختلف المدن، أعلن أصحاب المخابز رفع سعر الرغيف إلى نصف دينار “رغيفان بدينار واحد بعدما كان ثلاثة أرغفة”، نتيجة القفزات غير المسبوقة في أسعار قنطار الدقيق الذي تجاوز حاجز 400 دينار، بالتوازي مع تهاوي القيمة الشرائية للدينار الليبي وارتفاع الدولار في السوق السوداء والموازية ليتجاوز 10 دنانير.

وتأتي هذه الأزمة الطاحنة لتكشف الحجم الحقيقي للضغوط الهيكلية الناجمة عن الانقسام السياسي بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس والحكومة المكلفة من مجلس النواب في الشرق، وهيمنة الميليشيات والشبكات المسلحة على منافذ الاستيراد، وتهريب المحروقات والسلع المدعومة عبر الحدود، مما أحال البلد الغني بالثروات النفطية إلى ساحة يعاني فيها المواطنون للحصول على أدنى مقومات الحياة والعيش الكريم.

إن معالجة الأزمة لا يمكن أن تتم عبر المسكنات والحلول المؤقتة التي تلجأ إليها السلطات شرقًا وغربًا لتوزيع كميات محدودة من الدقيق المدعوم؛ إذ إن المشكلة الحقيقية تكمن في فقدان الثقة بالسوق المالي، وتخبط سعر الصرف، وغياب ميزانية موحدة، بالتوازي مع تعطيل تأسيس الديوان الليبي للحبوب وتجاهل إنشاء مخزون استراتيجي يحمي البلاد من مضاربات التجار واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.

غلاء الدقيق وكسر خط الحماية الأخيرة: كواليس المعاناة اليومية للأسر الليبية

فجّر قرار تعديل أسعار الخبز وتصغير حجم الرغيف انتقادات واسعة وتنديدًا حادًا في صفوف النخب الاجتماعية والحقوقية؛ حيث اعتبر مراقبون واقتصاديون أن الرغيف يمثل المحور الأساسي للسلة الغذائية والتجليات المباشرة لشبكة الأمان الاجتماعي التائهة في البلاد.

وأشارت الحقوقية الليبية مبروكة بالتمر إلى أن مئات الآلاف من الأسر الكبيرة باتت تواجه مأزقًا حادًا يوفر بيئة للانفجار الشعبي، مشددة على أن المأساة لا تقف عند حدود جشع التجار وتدهور الخدمات الأساسية كالكهرباء، بل تمتد إلى ترك المواطن الأعزل وحيدًا أمام الفساد الإداري والمالي.

وتتزامن هذه التطورات مع موجة إضرابات واحتجاجات واسعة يخوضها قطاعا الصحة والتعليم منذ أسابيع للمطالبة بتحسين الأجور والحد من التضخم المالي؛ مما يجسد حالة احتقان معيشي غير مسبوقة.

وفي القراءة الاقتصادية للأزمة، أوضح وزير الاقتصاد الأسبق محمد الحويج وأستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي علي الشريف أن ليبيا التي تستورد نحو 1.25 مليون طن من القمح الطري و300 ألف طن من القمح الصلب سنويًا، عاجزة عن حماية أمنها الغذائي نتيجة إهمال الزراعة الوطنية في الجنوب، وغياب الرؤية الاستراتيجية الشاملة.

وأكد الاقتصاديون، أن تدخلات السلطات الرسمية عبر ضخ كميات وقتية من الدقيق تمثل معالجات شكليّة وتدابير سياسية ترقيعية تفقد مقومات الاستدامة؛ إذ إن ضبط الأسعار وكبح غلاء السلع الاستهلاكية يستوجبان فرض سعر صرف رسمي موحد للدولار، وإعادة إرساء الرقابة الحكومية على الواردات بالتعاون مع القطاع الخاص، وضبط الإنفاق العام المتضخم الذي تستنزفه أروقة المحاصصة والميليشيات.

تغول الميليشيات وتهريب المحروقات: الأسباب الهيكلية لانهيار العملة الوطنية

ولا ينفصل الانهيار المالي والارتفاع الجنوني لأسعار الغذاء عن ظاهرة انتشار الفصائل المسلحة والجريمة المنظمة في ليبيا؛ حيث أجمعت التحليلات والمواقف السياسية على أن السبب الرئيسي لتردي القيمة الشرائية للدينار يعود إلى اتساع نطاق تهريب المحروقات والسلع المدعومة إلى دول الجوار عبر الشبكات الميليشياوية العابرة للحدود.

وتتسبب هذه الأنشطة الموازية غير المشروعة في إهدار مليارات الدنانير من الخزانة العامة، ودفع التجار والمهربين إلى المراهنة على شح النقد الأجنبي والتسعير وفق أسعار السوق الموازية لتحقيق أرباح فلكية والتحوط من التقلبات المالية.

وتشير المصادر الميدانية والتحليلات السياسية إلى أن غياب أدوات الرقابة الصارمة من قبل مجلس النواب والحكومتين المتنازعتين يتيح للمجموعات المسلحة فرض إتاوات على خطوط نقل البضائع وشحنات الدقيق، بالإضافة إلى اقتحام المقرات السيادية والتأثير على القرارات المالية للمصرف المركزي وديوان المحاسبة، وهو ما يحرم الدولة من قدرتها التشغيلية على حماية الأمن الغذائي والدوائي، ويجعل اقتصاد البلاد مرتهناً لرغبات أمراء الحرب ومافيا التهريب.

وتؤكد هذه التقارير الأممية الموثقة، أن حماية الشعب الليبي من طائلة الجوع وتأمين الاستقرار الاجتماعي يتطلبان إنهاء حالة الانقسام السيادي، وطرد الميليشيات المسلحة من مؤسسات الاقتصاد والرقابة، وتوجيه الموارد النفطية نحو خطة تنموية مستدامة تكفل الحياة الكريمة للجميع.

حتمية الإصلاح الجذري وتأمين قوت الشعب

إن المظاهرات والاحتجاجات المتصاعدة ضد غلاء الخبز والأوضاع المعيشية المتردية تثبت بوضوح أن خيارات الصمت الشعبي قد استنفدت بالكامل في مواجهة عجز الطبقة السياسية المتصارعة.

وتؤكد حقائق الميدان والوثائق الأممية، أن إنقاذ ليبيا من السقوط في نفق المجاعة والانهيار الاقتصادي الكامل يقتضي صياغة سياسة اقتصادية موحدة؛ إذ يتوجب كبح جماح السوق الموازية للدولار، وتفعيل المؤسسات الرقابية المستقلة، وتطهير قطاع التموين والسلع الاستراتيجية من سطوة الميليشيات والمهربين، لتظل حماية قوت المواطن الليبي وسلته الغذائية هي الأولوية القصوى التي لا تقبل المساومة أو الالتفاف.