ذات صلة

جمع

منظمات بواجهات مدنية إلى شبكات نفوذ.. كيف تحاصر أوروبا استراتيجية التغلغل الإخواني؟

تخطو القارة الأوروبية اليوم خطوة تاريخية ومصيرية في مسار...

تفتيح الإبطين وتنعيمهما في أسبوعين.. وصفة طبيعية بـ3 مكونات بسيطة

تبحث كثير من الفتيات عن طرق طبيعية للعناية بمنطقة...

اجتماع سري في كامب ديفيد.. إدارة ترامب تبحث خيارات التصعيد مع إيران والحوثيين

دخلت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرحلة جديدة من...

بعد انتهاء مهمة اليونيفيل.. 3 سيناريوهات ترسم مستقبل الجنوب اللبناني

تتجه الأوضاع الأمنية والسياسية في جنوب لبنان نحو مرحلة...

تجويع تحت غطاء اقتصادي.. كيف ينهب الحوثيون سيولة المواطنين في الساحل الغربي؟

تستبق الميليشيات الحوثية أي تثبيت للمكتسبات الميدانية في المناطق...

بعد انتهاء مهمة اليونيفيل.. 3 سيناريوهات ترسم مستقبل الجنوب اللبناني

تتجه الأوضاع الأمنية والسياسية في جنوب لبنان نحو مرحلة مفصلية مع اقتراب انتهاء تفويض قوة الأمم المتحدة المؤقتة «اليونيفيل» بنهاية العام الجاري، حيث تتصاعد الخلافات الحادة بين الأطراف الدولية والإقليمية حول طبيعة الترتيبات الأمنية المستقبليّة في المنطقة الممتدة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني.

ويأتي هذا الاستحقاق السياسي في ظل مخاوف حقوقية وأممية من نشوء فراغ أمني واقتصادي مفاجئ قد يمهد لتثبيت وجود عسكري إسرائيلي طويل الأمد في الشريط الحدودي، أو يعيد إنتاج المواجهات الميدانية الشاملة.

وتأتي هذه التطورات المعقدة امتدازاً للتداعيات الميدانية التي أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في نوفمبر 2024، والتصعيد العسكري المتجدد في مارس 2026 عقب استهداف القيادات الإيرانية والهجمات الصاروخية المتبادلة، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لإدارة ضبط الإيقاع الأمني على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.

تتضارب الرؤى الدولية بشأن صياغة التفويض الجديد بشكل جوهري؛ ففي الوقت الذي تدفع فيه تل أبيب نحو إنهاء مهمة «القبعات الزرقاء» واستبدالها بقوة دولية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وتُمكَّن من تفويض قتالي مباشر وصلاحيات تنشيطية لنزع سلاح حزب الله وتفتيش المناطق السكنية، تتمسك الحكومة اللبنانية بتمديد مهمة اليونيفيل من ستة أشهر إلى عام كامل، أو تشكيل قوة بديلة بقيادة أوروبية تعمل بالتنسيق المباشر مع الجيش اللبناني.

وتستند بيروت في موقفها إلى أن وجود اليونيفيل يمثل الضمانة الدولية الوحيدة لمنع قضم الأراضي اللبنانية ولتأمين حماية المدنيين في القرى المتاخمة للخط الأزرق، في وقت تواصل فيه القوات الإسرائيلية التمركز في خمس نقاط استراتيجية حاكمة داخل الأراضي اللبنانية جنوب الليطاني.

رحيل القبعات الزرقاء: تداعيات الفراغ الأمني وخطوط الإمداد الإنساني

تُشكل قوات اليونيفيل، التي تأسست بموجب قراري مجلس الأمن 425 و426 لعام 1978 والتُعززت بالقرار 1701 لعام 2006 وتضم نحو 10 آلاف جندي من أكثر من 40 دولة، العصب الأساسي للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الميداني وتقديم الخدمات الإنسانية للبلدات الحدودية.

وتوضح التقارير الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن انسحاب القوات الأممية دون وجود بديل عملي مقبول سيؤدي إلى عزل التجمعات السكانية التي يتمسك أهاليها بالبقاء، مثل بلدة رميش وعيتا الشعب والنقورة، حيث تؤدي الدوريات الأممية دوراً حيوياً في عبور نقاط التفتيش العسكرية وإيصال شحنات الأغذية والأدوية والمستلزمات الطبية، وتأمين عمليات صيانة شبكات المياه والكهرباء التالفة جراء القصف المتكرر.

ويرتبط هذا القلق الإنساني بسجل حقوقي وميداني حافل بالانتهاكات؛ إذ وثقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) في تقاريرها المحدثة الخسائر الجسيمة التي طالت المدنيين والفرق الإغاثية جراء استمرار المواجهات والتوترات الحدودية، مشيرة إلى تسجيل مئات الضحايا والوفيات بين صفوف السكان المحليين منذ أواخر عام 2024 وحتى الربع الأول من عام 2026، فضلًا عن نزوح أكثر من 1.2 مليون مواطن لبناني في فترات ذروة التصعيد.

وتؤكد البيانات الحقوقية الدولية أن غياب اليونيفيل سيجعل المواطنين المتبقين في قراهم دون أي ساتر أممي يوثق الاعتداءات أو يسهل عمليات إجلاء الجرحى، مما يزيد من احتمالات التهجير القسري وتفريغ الشريط الحدودي من سكانه الأصليين.

القرار 1701 وتحولات التفويض: صراع التضارب العملياتي بين واشنطن وأوروبا

يشكل القرار رقم 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي الجوهر القانوني والدبلوماسي لكافة الترتيبات الأمنية جنوب الليطاني، إذ نص صراحة على نصين محوريين: خلو المنطقة الواقعة بين نهر الليطاني والخط الأزرق من أي أسلحة أو مسلحي قوة غير التابعة للحكومة اللبنانية وقوات اليونيفيل، واحترام السيادة اللبنانية برًّا وبحرًا وجوًّا.

غير أن التطبيق الميداني للقرار اصطدم بتباينات هيكلية؛ إذ تتهم تل أبيب القوة الأممية بالسماح لحزب الله ببناء بنية تحتية عسكرية وأنفاق ومستودعات صواريخ تحت مرأى ومسمع القوات الدولية، بينما ترد قيادة اليونيفيل والأمانة العامة للأمم المتحدة ببيانات رسمية تؤكد أن تفويض القوة يندرج تحت الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، والذي يقتصر على حفظ السلام ومراقبة وقف العمليات العدائية ودعم الجيش اللبناني، ولا يتضمن أي تفويض تنفيذي لاستخدام القوة القتالية أو دخول الأملاك الخاصة لمصادرة السلاح بالقوة.

وأمام الامتناع الأمريكي عن نشر قوات برية داخل الأراضي اللبنانية تجنباً للتعقيدات الميدانية والسياسية، برز التوجه الأوروبي كخيار بديل يقوده الاتحاد الأوروبي بتنسيق مباشر مع إيطاليا، التي تقود بالفعل مجموعة الدعم الفني والعسكري للجيش اللبناني.

وأعلن الاتحاد الأوروبي استعداد أكثر من عشر دول أوروبية لتشكيل قوة متعددة الجنسيات أو إعادة صياغة مشاركتها في جنوب لبنان، شريطة وجود غطاء ودعم قانوني من مجلس الأمن الدولي.

ويتركز الخلاف الأساسي بين التصور الأمريكي الإسرائيلي المصرّ على منح القوة البديلة صلاحيات قتالية تشمل الاقتحام والتفتيش والتفكيك المباشر لترسانة حزب الله، والتصور الأوروبي الداعي إلى الاكتفاء بالتحقق والرقابة المتقدمة، وتعزيز القدرات اللوجستية والقتالية للمؤسسة العسكرية اللبنانية لتمكينها من فرض السيطرة التدريجية دون إشعال مواجهات مسلحة مباشرة.

ثلاثة سيناريوهات أممية لمستقبل الجنوب ومعضلة سلاح حزب الله

طرحت الأمم المتحدة عبر أمانتها العامة وخبراء العسكريين ثلاثة التصورات الهيكلية لقوة المراقبة البديلة في الجنوب، بقوام عسكري يتراوح بين ألفين وخمسة آلاف جندي، مدعومة بتقنيات مراقبة حديثة تشمل الرادارات البرية والمروحيات والأقمار الصناعية والطائرات دون طيار.

ويتضمن التصور الأول تنفيذ عمليات ميدانية مشتركة وواسعة مع الجيش اللبناني على نطاق كامل المنطقة شمال نهر الليطاني وجنوبه، بينما يركز التصور الثاني على حصر التعاون الميداني المباشر جنوب النهر مع الاكتفاء بالرقابة التقنية المحدودة شماله.

أما التصور الثالث، فيعتمد قدرات أدنى من التنسيق الثلاثي المباشر بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي عبر القنوات الأممية القائمة، وهو خيار ينطوي على مخاطر عالية بحدوث صدامات ميدانية غير محسوبة.

وتصطدم كافة هذه التصورات الأمنية بالواقع الميداني والسياسي المعقد المتصل بسلاح حزب الله، الذي يمتلك ترسانة عسكرية متطورة وقاعدة شعبية واسعة داخل الطائفة الشيعية التي تشكل نحو ثلث سكان لبنان.

وتؤكد تقارير البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) حول تقييم أضرار الصراع في لبنان لعامي 2025 و2026 أن أي محاولة لفرض عمليات تفتيش قسرية أو نزع السلاح بالقوة قد تؤدي إلى صدامات دامية وسقوط آلاف الضحايا المدنيين، فضلاً عن خطر انقسام الجيش اللبناني نفسه وتفكك مؤسسات الدولة الرسمية.

إن مستقبل الاستقرار في الجنوب لن يتحدد بنوعية القوات الدولية أو حجم صلاحياتها الاستكشافية، بل بالتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تعالج التهديدات الحدودية بالتوازي مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل وفتح مسار متكامل لإعادة إعمار ما دمرته الحرب.