يدخل لبنان مرحلة تاريخية بالغة الدقة والتعقيد، وسط تشابك معقد بين الأزمات الداخلية المستحكمة والتطورات الإقليمية العاصفة التي تقودها طهران عبر أذرعها العسكرية في المنطقة.
حزب الله
وفي صدارة المشهد السياسي الراهن، يبرز الارتباط العضوي والسياسي بين حزب الله والنظام الإيراني باعتباره العقبة الكبرى أمام بسط سيادة الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية.
تسوية الجنوب اللبناني.. مفاوضات روما تواجه ملف سلاح حزب الله
فبينما تتواصل المساعي الدبلوماسية الحثيثة لعقد جولة مفاوضات جديدة مرتقبة في العاصمة الإيطالية روما خلال شهر سبتمبر 2026 للوصول إلى تسوية حول الجنوب اللبناني ومنطقة علي الطاهر، تؤكد المواقف الدبلوماسية الدولية والتصريحات الرسمية الصادرة عن رئيس الجمهورية جوزيف عون والسفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى أن أي تسوية مستدامة تظل رهينة بمدى تجريد الحزب من سلاحه غير الشرعي وفك ارتباط قراره الاستراتيجي بالعواصم الإقليمية، مما يضع مستقبل البلاد على المحك بين منطق قيام الدولة المدنية الحديثة ومنطق الدويلات الميليشياوية المسلحة.
مواقف رئيس الجمهورية جوزيف عون.. معركة تثبيت شرعية المؤسسات في وجه التعطيل
وفي خضم هذا المخاض العسير، أكد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون بوضوح لا تقبل اللبس أن الدولة ماضية قُدمًا في ترسيخ حضورها ومؤسساتها الدستورية، مهما بلغت حجم التحديات وضغوط قوى الأمر الواقع.
تصريحات الرئيس عون خلال ترؤسه الاحتفال الرسمي بمناسبة العيد الحادي والثمانين للأمن العام
وجاءت تصريحات الرئيس عون خلال ترؤسه الاحتفال الرسمي بمناسبة العيد الحادي والثمانين للأمن العام لتشخص بدقة طبيعة الصراع الداخلي الدائر في البلاد، حيث وصف المعركة بأنها صراع وجودي بين فريقين، الأول يرفض مؤسسات الدولة ويعتاش على غيابها وانهيار هيبتها، وفريق ثانٍ يضم الأجهزة الأمنية والمواطنين المتمسكين بحقهم المشروع في بناء دولة القانون والمؤسسات.
جوزيف عون يواصل الإصلاح.. استعادة قرار الدولة لإنقاذ لبنان من الانهيار
وشدد عون على أن مسيرة الإصلاح وبناء الإدارات العامة مستمرة بلا هوادة دفاعًا عن كرامة المواطن وحقوقه المسلوبة، حيث تتطابق هذه الرؤية مع التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية والدولية لعامي 2025 و2026، والتي توثق بالأرقام حجم التراجع الاقتصادي والانهيار الإداري المترتب على تفشي السلاح المنفلت وغياب الرقابة الفعالة، مما يؤكد أن استعادة قرار الدولة يشكل طوق النجاة الوحيد لإنقاذ ما تبقى من مقومات الكيان اللبناني.
السفير الأميركي ميشال عيسى يكشف المستور.. الارتباط بإيران وتعقيدات المفاوضات الجنوبية
وعلى الصعيد الدبلوماسي، أطلق السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى سلسلة من المواقف النارية واللافتة عقب لقاءاته مع عدد من القيادات الروحية والسياسية، أبرزهم شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى ومفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان.
وأكد عيسى، أن الأزمة في الجنوب اللبناني لا يمكن فصلها بحال من الأحوال عن المسار الإقليمي الأوسع، لاسيما المفاوضات المتعثرة بين الولايات المتحدة وإيران، مشددًا على أن الإجماع اللبناني ينبغي أن ينصب على ضرورة تسليم حزب الله لسلاحه لتنفرد الدولة وحدها بقرار الحرب والسلم.
وفي تصحيح دقيق لموقفه، أوضح السفير الأميركي أن واشنطن لا تملك أي نية للتفاوض المباشر مع الحزب خارج أطر الشرعية، مشيرًا إلى أن أي تواصل مع الحزب يجب أن يتم حصرًا من خلال الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية.
واتهم عيسى قيادة حزب الله صراحة بأنها ترفض الحوار مع الدولة والجهات الدولية لأنها لا تتلقى سوى التعليمات والأوامر المباشرة من طهران، مشددًا على أن استمرار هذا النهج التخريبي يعرقل الجهود المبذولة لتقريب وجهات النظر مع إسرائيل وتخفيف حدة الضربات العسكرية المدمرة التي تضرب القرى والبلدات الجنوبية.
تقارير أممية وحقوقية موثقة.. الفاتورة البشرية والاقتصادية لهيمنة الميليشيات على لبنان
وتزخر أدبيات المنظمات الدولية والأممية بسجلات دامغة توثق الخسائر الهائلة التي تكبدها الاقتصاد والشعب اللبناني جراء مغامرات حروب الإسناد العبثية التي فرضها حزب الله خدمة للأجندة الإيرانية.
فوفقاً لتقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة الصادرة خلال العامين 2025 و2026، تراجع الناتج المحلي الإجمالي للبنان بنسب غير مسبوقة، بينما تجاوزت معدلات الفقر والبطالة نسباً قياسية شملت أكثر من 80 في المائة من السكان.
وتؤكد هذه التقارير الموثقة بالأرقام، أن قصف البنية التحتية وتعطيل المرافق الحيوية ونزوح مئات الآلاف من العائلات من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية أسفر عن كارثة إنسانية غير مسبوقة.
وفي ظل هذه المعطيات القاتمة، تشتد المطالبات المحلية والدولية بضرورة تطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها اتفاق الطلاف والقرارين الدوليين 1559 و1701، لضمان حصر السلاح بيد الجيش اللبناني وحده، وتجفيف منابع التمويل الخارجي، وقطع دابر التدخلات الإيرانية التي تستخدم الأراضي اللبنانية ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية على حساب دماء وأرزاق الأبرياء.

