تتوالى الضربات الموجهة للبنى التحتية الرقمية التي تستخدمها الأذرع السيبرانية للنظام الإيراني في حرب المعلومات العابرة للحدود، في مشهد يعكس حجم التهديدات المتزايدة التي تتعرض لها النظم الديمقراطية ومؤسسات صنع القرار في الدول الغربية.
وفي تقارير استخباراتية وفنية حديثة أصدرتها شركة «ميتا» في شهر أغسطس لعام 2026، كشفت الشركة عن إحباط وتعطيل شبكة واسعة ومعقدة من الحسابات المزيفة المرتبطة بإيران، والتي استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي وانتحال الهويات الشخصية لاستهداف الجمهور والناخبين في الولايات المتحدة.
هذه الحملة الممنهجة، التي سعت إلى توظيف الميمات السياسية والرسائل الموجهة حول قضايا الهجرة والصراع الإسرائيلي الفلسطيني، تسلط الضوء على خطورة الأنشطة السيبرانية المعادية التي تقودها طهران لتغذية الاستقطاب وتضليل الرأي العام العالمي عبر الفضاء الرقمي.
كواليس العملية السيبرانية.. تفاصيل تفكيك الحسابات المزيفة على فيسبوك وإنستغرام
وأفادت التقارير الفنية الصادرة عن قطاع تهديدات الامن السيبراني في شركة «ميتا» بأن الشركة قد قامت بصورة رسمية بتعطل أربعة حسابات أساسية على منصة “فيسبوك” إلى جانب واحد وثلاثين حسابًا آخر على منصة “إنستجرام”، كانت تعمل بتنسيق تام وأنشطة مشبوهة تنطلق من الأراضي الإيرانية.
ووفقًا للتصريحات التي أدلى بها مسؤولو الشركة لموقع «أكسيوس»، فإن المشغلين لهذه الشبكة عمدوا إلى انتحال صفات شخصيات أمريكية عادية، شملت نشطاء وطلابًا ومصممي جرافيك، زعموا زورًا إقامتهم في مدن كبرى مثل واشنطن العاصمة وسان دييغو وأتلانتا، بغية إضفاء مسحة من المصداقية والواقعية على منشوراتهم.
كما أشارت البيانات الرسمية إلى أن المشغلين وضعوا إشارات متكررة لصحفيين وسياسيين حقيقيين، وحاولوا التواصل المباشر مع مؤسسات إخبارية بارزة لطلب التعاون في إنتاج محتوى دعائي، ورغم فشل تلك المحاولات في تحقيق أهدافها، إلا أنها كشفت عن دقة وخطورة التكتيكات المستخدمة.
تقارير الاستخبارات والأرقام الرسمية.. حجم التفاعل وتوظيف الذكاء الاصطناعي
وعلى الصعيد التقني، توثق التقارير الدولية الصادرة عن مراكز رصد الجرائم السيبرانية لعامي 2025 و2026 أن استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي بات عنصرًا أساسيًا في كافة حملات التضليل الموجهة التي ترعاها الدول المارقة.
وقد أظهرت تحليلات «ميتا» أن نحو تسعة وسبعين ألفًا وأربعمائة حساب (79400 حساب) على منصة “إنستجرام” قد تابعت حسابًا واحدًا على الأقل من حسابات “الميمات” غير الأصيلة التي أنتجتها الشبكة الإيرانية.
ورغم أن الحملة حققت وصولاً “متوسطًا” وتفاعلاً ملموسًا ولكنه محدود وفق المعايير السيبرانية للدول، إلا أن المشغلين اتخذوا تدابير تقنية متطورة لإخفاء هويتهم الحقيقية، تمثلت في تمرير كافة حركات البيانات حصريًا عبر خدمات بروكسي ومراكز استضافة داخل الولايات المتحدة وكندا، مما عقد جهود التتبع والاكتشاف المبكر لولا الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في الرصد والإزالة السريعة.
التداعيات الأمنية والدبلوماسية.. جهود إنفاذ القانون وحماية النظم الديمقراطية
وأثارت هذه العمليات السيبرانية ردود فعل واسعة النطاق في الدوائر الأمنية والدبلوماسية الغربية، حيث سارعت شركة «ميتا» إلى مشاركة كافة الأدلة التقنية ومعلومات التهديد المرتبطة بالحملة مع أجهزة إنفاذ القانون والوكالات الفيدرالية الأمريكية المختصة بمتابعة التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية.
وتؤكد التقارير الصادرة عن لجنة الأمن القومي، أن استمرار طهران في تمويل وتوجيه شبكات التجسس والتضليل الرقمي يمثل انتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة الناظم لعلاقات الدول، مما يفرض على المجتمع الدولي فرض مزيد من العقوبات السيبرانية الصارمة لتجفيف منابع تمويل هذه الأنشطة الخبيثة.
وفي ظل استثمار كبرى شركات التكنولوجيا في أدوات الكشف الذكي، يظل الوعي العام واليقظة المؤسسية هما خط الدفاع الأول لحماية المجتمعات الديمقراطية من مخاطر التلاعب بالعقول وتزييف الوعي الجماعي.
وتتعدد أشكال الجرائم والانتهاكات التي تقترفها إيران ونظامها عبر أذرعها وميليشياتها الطائفية في المنطقة العربية، لتشكل تهديدًا خطيرًا ومباشرًا للأمن والسلم الإقليمي والدولي.
ووفقًا لتقارير الأمم المتحدة والوكالات الحقوقية الدولية الصادرة خلال عامي 2025 و2026، تتورط طهران بصورة مباشرة في تمويل وتدريب وتسليح التنظيمات المسلحة في اليمن والعراق وسوريا ولبنان، مستخدمة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة لضرب المنشآت الحيوية والأعيان المدنية وتشريد ملايين الأبرياء.
وإلى جانب التدخلات العسكرية المباشرة وتغذية الحروب الطائفية، تدير الاستخبارات الإيرانية شبكات سيبرانية واسعة النطاق لشن هجمات إلكترونية وعمليات تضليل ممنهجة تستهدف زعزعة استقرار الدول وتقويض النظم الديمقراطية.
ويؤكد المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية، أن استمرار هذه الأنشطة العدائية يتطلب ردًا صارمًا وفرض عقوبات دولية شاملة لتحجيم الدور الإيراني وتجفيف منابع تمويل الإرهاب العابر للحدود، حمايةً لحقوق الشعوب ومقدراتها.

