ذات صلة

جمع

انقسامات عميقة.. كيف تحولت الخلافات الميدانية بين البرهان ومناوي إلى أزمة سياسية مفتوحة؟

تشهد الساحة السياسية والعسكرية في السودان انعطافات خطيرة تكشف...

تجارة الموت والدمار.. السجل الأسود لحزب الله في تدمير مستقبل الأجيال اللبنانية

لم تكن عقود الهيمنة المسلحة والوصاية السياسية التي فرضها...

إصلاحات هيكلية مؤجلة.. هل تنجح القروض وحدها في إنقاذ المالية العمومية في تونس؟

تخوض الدولة التونسية في الوقت الحالي سباقاً محموماً مع...

بين المركز والأقاليم.. كيف تتعامل دمشق الجديدة مع ملف شمال وشرق سوريا؟

تتوسط الخريطة السورية اليوم رقعة شطرنج معقدة تعج بالتناقضات...

تجارة الموت والدمار.. السجل الأسود لحزب الله في تدمير مستقبل الأجيال اللبنانية

لم تكن عقود الهيمنة المسلحة والوصاية السياسية التي فرضها حزب الله على الدولة اللبنانية سوى مسار كارثي متدرج أفضى بالبلاد إلى قاع الانهيار المالي والتنموي الشامل، محولًا لبنان من منارة للثقافة والازدهار في الشرق الأوسط إلى ساحة خلفية لصراعات الإقليم ورهينة للمغامرات العابرة للحدود.

إن القارئ الذي يتأمل واقع اليوم يدرك، بلا ريب، أن التكلفة البشرية والمادية الباهظة التي دفعها الشعب اللبناني لم تأتِ من فراغ، بل هي حصاد مُرّ لتجارة الموت والدمار التي قادها التنظيم المسلح عبر فرض معادلات القوة الغاشمة على حساب مؤسسات الدولة الدستورية والسيادية، وسط توثيق دولي وأممي واسع النطاق يرصد، بالوقائع والأرقام، حجم الخراب غير المسبوق الذي طال كل مناحي الحياة المدنية والاقتصادية في بلاد الأرز.

تقارير أممية موثقة تكشف التكلفة الكارثية للهيمنة المسلحة

تُظهر التقارير الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة أن استراتيجيات حزب الله العسكرية والسياسية قد وضعت الاقتصاد اللبناني في مسار تصادمي مباشر مع المجتمع الدولي ومؤسسات التمويل العالمية.

ففي تقرير مفصل أصدره البنك الدولي، بالتعاون مع الأمم المتحدة، في مطلع عام 2026، تم رصد انكماش اقتصادي غير مسبوق تجاوزت نسبته الحدود الدنيا للاستقرار المالي، حيث تسببت سياسات الهيمنة وتعطيل المؤسسات في خسائر تراكمية تجاوزت عشرات مليارات الدولارات في البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية.

وأكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في إفادة رسمية أمام مجلس الأمن في أبريل 2026، أن الأزمة الإنسانية والمعيشية في لبنان وصلت إلى مستويات كارثية بسبب ازدواجية السلطة وسطوة السلاح غير الشرعي، الذي يعطل خطط الإصلاح والإنقاذ المالي، مشددًا على أن أي فرصة حقيقية لتعافي لبنان تظل رهينة بالنزع الكامل للأسلحة خارج إطار مؤسسات الشرعية اللبنانية، وتفكيك المنظومات العسكرية الموازية التي أثقلت كاهل المواطنين بالأزمات المستحكمة.

السجل الأسود للانتهاكات وقمع الحريات داخل المجتمع اللبناني

ولم تقتصر تداعيات سياسات حزب الله على الجانب المالي والاقتصادي فحسب، بل امتدت لتشمل قمعًا ممنهجًا للحريات العامة والاحتجاجات السلمية التي خرجت تندد بالسياسات القمعية والانهيار المعيشي.

فقد وثقت منظمات حقوقية دولية مستقلة، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، في تقارير صدرت تباعًا خلال عامي 2024 و2025، وقوع انتهاكات صارخة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، من خلال ترهيب المعارضين والنشطاء السلميين، وتنفيذ عمليات تضييق واسعة النطاق ضد الصحفيين، وكل أصوات العقل التي حاولت الوقوف في وجه مشروع الاستحواذ المسلح.

وأكدت تقارير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تورط عناصر مسلحة مرتبطة بالتنظيم في استهداف واختطاف وترهيب الأصوات المناهضة للسياسات الحزبية، مما أسفر عن بيئة خوف وقمع متكاملة الأركان، غيبت سيادة القانون وأفرغت المؤسسات القضائية والرقابية من محتواها الدستوري والوطني الفاعل.

عسكرة البنى التحتية وتحويل المرافق المدنية إلى دروع بشرية

تشير التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية الدولية وتقارير الأمم المتحدة الموثقة إلى أن الاستراتيجيات العسكرية لحزب الله اعتمدت، بشكل ممنهج، على تحويل المناطق المكتظة بالسكان، والمنشآت الحيوية، والمرافق المدنية إلى دروع بشرية ومنصات لإدارة العمليات المسلحة.

ففي تقرير أصدره مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في منتصف عام 2026، تم توثيق آلاف الانتهاكات المتمثلة في استخدام البنى التحتية المدنية لأغراض قتالية، مما أسفر عن خسائر فادحة في أرواح المدنيين الأبرياء، وعرقلة جهود الإغاثة الإنسانية الطارئة في مختلف المحافظات المتضررة.

وأوضحت تقارير منظمة الصحة العالمية لعام 2026 أن القطاع الصحي في لبنان تعرض لانهيار شبه كامل جراء تداعيات العسكرة المستمرة، واستخدام المحيط المدني كمستودعات للذخيرة والمعدات القتالية، مما حرم مئات الآلاف من المرضى والمصابين من أبسط حقوقهم الأساسية في العلاج والرعاية الطبية الملائمة في الظروف الطارئة.

آفاق المرحلة الانتقالية وسقوط المشروع العسكري المسلح

في ضوء التطورات السياسية الأخيرة، والمساعي الدولية الرامية إلى تحقيق الاستقرار الدائم وبسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل ترابها الوطني تحت إشراف الشرعية الدستورية والقرارات الدولية ذات الصلة، تتهاوى تدريجيًا الأطماع والمشاريع العسكرية التي دمرت مستقبل أجيال كاملة في لبنان.

وتؤكد الدوائر الدبلوماسية والتقارير التحليلية الميدانية أن إرادة المجتمع الدولي والشعب اللبناني باتت حاسمة في إنهاء حقبة الفصائلية المسلحة، وتمكين القوات المسلحة اللبنانية والإدارات الشرعية من تولي مقاليد الأمور الأمنية والسيادية بالكامل، بمعزل عن أي وصاية خارجية أو تنظيمية مسلحة.

إن توثيق الجرائم والانتهاكات عبر التقارير الأممية والحقوقية المعتمدة يمثل خطوة أساسية لا غنى عنها لضمان عدم إفلات المتورطين من العقاب، وفتح صفحة جديدة ترتكز على سيادة القانون، وحماية المدنيين، وإعادة بناء ما دمرته سياسات المغامرة العسكرية، ليعود لبنان إلى حاضنته العربية والدولية المزدهرة، بمعزل عن التجاذبات المسلحة التي أثقلت كاهل شعبه لعقود طويلة.