تخوض الأجهزة الأمنية والتشكيلات العسكرية المعنية بمكافحة الإرهاب في ليبيا معارك مصيرية لا تقبل التهاون، تستهدف في جوهرها تجفيف منابع التطرف واجتثاث الجذور الفكرية والعسكرية لتنظيم داعش الإرهابي، الذي حاول مرارًا اتخاذ الأراضي الليبية منصة استراتيجية لتنفيذ أجنداته المدمرة.
إن هذا المشهد الأمني المتسارع يفتح باب النقاش على مصراعيه حول مدى قدرة الدولة الليبية على إعلان القضاء التام على هذا الكابوس المظلم، وما إذا كانت الخلايا النائمة قادرة على إطالة أمد المواجهة، أم أن الساعات القادمة تحمل في طياتها نهاية حتمية لآخر الحصون الفكرية والميدانية للتنظيم المتطرف على التراب الليبي.
السجل الأسود لجرائم داعش والميليشيات الإرهابية بحق الشعب الليبي
شهدت العهود القاتمة التي سيطر فيها تنظيم داعش والميليشيات المرتبطة به على بعض المدن والمناطق الليبية، ولا سيما مدينة سرت والمناطق المحيطة بها، فصولًا دمويةً مفزعة وثقتها تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية والمحلية بعشرات الشهادات والوقائع الموثقة. ففي تقارير مفصلة أصدرتها منظمة “هيومن رايتس ووتش”، تم رصد عمليات إعدام جماعية وفردية مروعة نُفذت بحق المدنيين الأبرياء وعناصر الأجهزة الأمنية والعسكرية خارج إطار القانون، فضلًا عن تعليق الجثث في الساحات العامة لترهيب السكان وبث الرعب في نفوس الأهالي.
وأشارت تلك التقارير الموثقة بالأرقام والتواريخ إلى أن التنظيم مارس أبشع أشكال التنكيل والاضطهاد ضد النساء والأطفال، وفرض مدونة سلوك متطرفة بالقوة الغاشمة، واستولى على ممتلكات المواطنين، ودمر البنى التحتية للمستشفيات والمرافق الخدمية، محولًا حياة المدنيين إلى جحيم لا يطاق.
إن هذه الجرائم البشعة التي ارتكبتها العناصر الإرهابية والميليشيات التابعة لها لا تسقط بالتقادم، وتظل محفورة في الذاكرة الوطنية الليبية، كدليل قاطع على همجية هذه التنظيمات التي تتغذى على دمار الدول وتخريب المجتمعات.
تحذيرات وتقارير أممية حديثة تكشف استراتيجيات التكيف وإعادة التموضع
على الصعيد الدولي، تواصل المنظمات الأممية رصد وتتبع التحولات الخطيرة في بنية وتكتيكات تنظيم داعش وفروعه الإقليمية، حيث أكدت تقارير صادرة عن مجلس الأمن الدولي ومكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب أن التنظيم يسعى باستمرار إلى تطوير أساليبه القتالية، والاعتماد على شبكات تمويل افتراضية وتقنيات حديثة لإعادة تنظيم صفوفه.
وفي إحاطة رسمية قدمها مسؤولو الأمم المتحدة أمام مجلس الأمن، حذرت التقارير من أن الفلول الهاربة لتنظيم داعش تحاول استغلال هشاشة الأوضاع الأمنية في بعض مناطق الساحل والصحراء الإفريقية المتاخمة للحدود الليبية لتشكيل خلايا جديدة وميليشيات صحراوية متنقلة تعتمد على حرب العصابات والضربات الخاطفة.
ومع ذلك، تشير هذه التقارير الأممية والدولية إلى أن الجهود الأمنية المشتركة والملاحقات الاستخباراتية المكثفة التي تقودها الأجهزة الرسمية في دول المنطقة قد نجحت في إحباط العديد من المخططات الإرهابية الكبرى، وحاصرت تحركات التنظيم في جيوب ضيقة ومكشوفة، تفقده تدريجيًا أي عمق استراتيجي أو شعبي يمكن الاعتماد عليه للاستمرار والامتداد.
الضربات الاستباقية للجيش والأجهزة الأمنية: تقويض البنية التحتية وشلل الخلايا النائمة
في إطار العمليات العسكرية والأمنية المتواصلة لتطهير التراب الليبي، نجحت القوات المسلحة والأجهزة الأمنية المختصة في توجيه ضربات قاصمة وموجعة استهدفت معاقل ومخابئ تنظيم داعش في إقليم فزان والمناطق الصحراوية الوعرة بجنوب البلاد.
وتفيد التقارير الميدانية والبيانات الرسمية الصادرة عن غرف العمليات العسكرية بأن العمليات الاستباقية اعتمدت على معلومات استخباراتية دقيقة أدت إلى تدمير مخازن للأسلحة والذخائر ومقار سرية يستخدمها قيادات داعش الهاربة، فضلًا عن إلقاء القبض على عشرات العناصر الخطيرة المتورطة في تفجيرات وهجمات إرهابية سابقة.
وقد أدت هذه العمليات النوعية إلى شلل شبه تام في شبكات التجنيد والتمويل التابعة للتنظيم، وقطع الإمدادات اللوجستية التي كانت تصل عبر الحدود المفتوحة، مما جعل العناصر الإرهابية تعيش حالة من التخبط والانعزال واليأس المستمر.
وتؤكد هذه الإنجازات الميدانية أن المؤسسات الأمنية والعسكرية باتت تمتلك زمام المبادرة والقدرة الفائقة على التعامل بحزم مع أي محاولة لإحياء التنظيم أو إعادة بناء خلاياه النائمة في المدن الكبرى.
هل نودع حقبة الإرهاب الداعشي في ليبيا نهائيًا؟
مع تضييق الخناق الأمني والعسكري المتواصل على ما تبقى من فلول تنظيم داعش في ليبيا، بات واضحًا أن التنظيم أصبح عاجزًا عن السيطرة على أي مساحات جغرافية ثابتة أو إعلان إدارات مزعومة كما كان يفعل سابقًا، وأصبح مجرد مجموعات صغيرة مطاردة تختبئ في الكهوف والمغارات الصحراوية.
وتؤكد مراكز الدراسات الاستراتيجية والدولية في تقاريرها الحديثة أن القضاء النهائي على الفكر المتطرف يتطلب، إلى جانب العمليات العسكرية الصارمة، خططًا شاملة لتنمية المناطق الهشة، وتفعيل برامج المناصحة الفكرية، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي لتبادل المعلومات الاستخباراتية.
إن الشعب الليبي، الذي دفع فاتورة باهظة من دماء أبنائه واستقراره جراء جرائم داعش والميليشيات المتطرفة، يترقب بشغف اللحظة التاريخية التي يُعلن فيها رسميًا اجتثاث هذا السرطان الخبيث من جذوره.
ومع إصرار الدولة ومؤسساتها على مواصلة الحرب بلا هوادة ضد الإرهاب، يبدو أن حلم الأمن والاستقرار الكامل والاستدامة بات أقرب من أي وقت مضى، لتستعيد ليبيا عافيتها ومكانتها الإقليمية والدولية المزدهرة.

