تتعرض الطفولة في اليمن لأقسى فصول المأساة الإنسانية المتواصلة، حيث تحولت مساحات واسعة من البلاد إلى بيئة خصبة لعودة الأمراض والأوبئة الفتاكة التي ظن العالم أنها أصبحت جزءًا من الماضي.
وبينما تكرس المؤسسات الدولية جهودها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، تقف ميليشيات الحوثي عائقًا صلبًا أمام كل جهود الإغاثة والوقاية، مانعة وصول اللقاحات الأساسية والأدوية المنقذة للحياة إلى مستحقيها من الأطفال والأبرياء.
إن هذا النهج الممنهج في تعطيل المنظومة الصحية واستخدام الصحة العامة كورقة ضغط ومقايضة سياسية لا يعكس سوى تجرد صارخ من أبسط قيم الإنسانية والأخلاق.
وبينما تتوالى التحذيرات والتقارير الصادرة عن المنظمات الأممية والحقوقية لتوثيق هذا السجل الأسود من الجرائم والانتهاكات الجسيمة، يبرز تساؤل ملح حول مدى قدرة المجتمع الدولي على ردع هذه الممارسات الإجرامية وإنقاذ أجيال كاملة من شبح الموت والمرض المحقق الذي تنشره الميليشيات بوعي كامل.
السجل الأسود لجرائم ميليشيات الحوثي بحق القطاع الصحي والمنظومة الطبية
منذ سيطرتها المسلحة على العاصمة اليمنية صنعاء وعدد من المحافظات، عمدت ميليشيات الحوثي إلى تدمير وتجريف البنية التحتية للقطاع الصحي بشكل ممنهج، متجاوزةً كافة القوانين والأعراف الدولية التي تكفل الحق في العلاج والرعاية الصحية للمدنيين في زمن النزاعات.
وتشير التقارير الصادرة عن نقابة الأطباء اليمنية ومنظمات حقوقية محلية ودولية إلى أن الميليشيات قامت باقتحام مئات المستشفيات والمراكز الصحية، وتحويلها إلى ثكنات عسكرية ومخازن للأسلحة، فضلًا عن نهب الميزانيات التشغيلية والمساعدات الطبية المقدمة من الهيئات الدولية والأممية.
وفي تقرير موثق صدر عن الشبكة اليمنية للحقوق والحريات في أواخر عام 2024، تم رصد مئات حالات الاعتداء المباشر على الكوادر الطبية واعتقال الأطباء والممرضين الذين رفضوا الانصياع لأوامر الميليشيات بتسخير المرافق العلاجية لجرحى جبهات القتال الحوثية على حساب المدنيين والمرضى العاديين.
إن هذا الاستهداف المباشر والمتعمد للمؤسسات الطبية أدى إلى شلل شبه تام في تقديم الخدمات العلاجية الأساسية، مما سهل انتشار الأمراض، ومهد الطريق أمام عودة أوبئة فتاكة كالحصبة وشلل الأطفال والدفتيريا، بعد أن تم القضاء عليها سابقًا بفضل الحملات الوطنية المستدامة.
تقارير أممية موثقة تكشف كارثة عودة الأوبئة ووقف حملات التطعيم
تؤكد البيانات والأرقام الرسمية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” أن الوضع الصحي للأطفال في اليمن يشهد تدهورًا مروعًا وغير مسبوق جراء منع وعرقلة ميليشيات الحوثي لحملات التطعيم والتحصين الشاملة في مناطق سيطرتها.
ففي تقرير مشترك صدر عن الوكالات الأممية في منتصف عام 2025، أشارت البيانات إلى تسجيل عشرات الآلاف من الإصابات المؤكدة بأمراض الحصبة والسعال الديكي وشلل الأطفال، مع ارتفاع ملحوظ في أعداد الوفيات بين صفوف الأطفال الرضع والصغار نتيجة حرمانهم من اللقاحات الوقائية الأساسية.
وتحذر التقارير الأممية الموثقة من أن الحملات الممنهجة التي تشنها قيادات تابعة لجماعة الحوثي ضد فرق التطعيم، وتحريض السكان بزعم أن اللقاحات مؤامرة غربية، قد أسفرت عن انهيار نسب التغطية بالتحصين إلى مستويات حرجة للغاية، تفوق أي وقت مضى.
وهذه الأرقام المخيفة، الصادرة عن جهات دولية محايدة، تفند تمامًا تبريرات الميليشيات الواهية، وتثبت بالدليل القاطع أن الحوثيين يتعمدون استخدام حرمان الأطفال من الرعاية الصحية كأداة إضافية للضغط والابتزاز السياسي، غير مبالين بما يسببه ذلك من إعاقات دائمة وموت بطيء لأطفال اليمن الأبرياء.
حرب اللقاحات والأدوية: استراتيجية إجرامية لتجويع وتركيع المجتمع اليمني
لا تقتصر جرائم ميليشيات الحوثي في القطاع الصحي على منع حملات التطعيم فحسب، بل تمتد لتشمل حربًا اقتصادية وإدارية شعواء على قطاع استيراد الأدوية والمستلزمات الطبية، بغية احتكار هذا السوق الحساس وتوجيه عائداته المالية الضخمة لتمويل مجهودها الحربي.
وتفيد تقارير استخباراتية وحقوقية متطابقة بأن قيادات نافذة في جماعة الحوثي أنشأت شبكات تجارية وهمية لفرض أدوية مغشوشة ومنتهية الصلاحية على الأسواق المحلية، في حين تفرض عراقيل تعجيزية ورسومًا باهظة على شحنات الأدوية المنقذة للحياة القادمة عبر الموانئ الخاضعة لسيطرتها.
وفي تقرير أصدره مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية في مطلع عام 2026، تم الكشف عن تورط قيادات حوثية بارزة في احتجاز شحنات ضخمة من لقاحات الأطفال في مستودعات غير مطابقة للمواصفات، مما أدى إلى تلفها وعدم صلاحيتها للاستخدام، ومن ثم بيع البدائل التجارية بأسعار خيالية تثقل كاهل الأسر اليمنية الفقيرة التي تعاني أصلًا من انقطاع الرواتب وتفشي البطالة.
إن هذه الممارسات الإجرامية تمثل انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف الدولية ولقواعد القانون الدولي الإنساني، وتكشف بوضوح عن الوجه الحقيقي لميليشيات لا تتردد في المتاجرة بصحة وحياة الأطفال الأبرياء من أجل تحقيق أهدافها الطائفية والسياسية الضيقة.
الموقف الدولي والنداءات العاجلة
مع اتساع رقعة الأوبئة وتفاقم أعداد الضحايا بين الأطفال والنساء في مناطق سيطرة ميليشيات الحوثي، تتزايد الضغوط والنداءات الدولية الموجهة إلى المجتمع الدولي ومجلس الأمن الدولي للتدخل العاجل والفوري، وفرض آليات آمنة وفعالة لإيصال اللقاحات والأدوية دون شروط أو عراقيل حوثية.
فقد أصدرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بيانات متكررة تدين بشدة التعنت الحوثي المستمر في عرقلة العمل الإنساني، وتطالب بضرورة تصنيف هذه الانتهاكات كجرائم حرب واضحة المعالم تستوجب ملاحقة مرتكبيها قضائيًا ودوليًا.
وفي ذات السياق، شددت منظمة العفو الدولية، في تقرير حديث صدر مؤخرًا، على أن الصمت الدولي تجاه ما يتعرض له القطاع الصحي في اليمن يشكل ضوءًا أخضر للميليشيات للاستمرار في غيها وتدمير ما تبقى من مقومات الحياة الأساسية للسكان المدنيين.
إن إنقاذ أطفال اليمن من خطر الموت المحقق جراء الأوبئة القاتلة لم يعد يقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية فحسب، بل يتطلب موقفًا سياسيًا حازمًا يكسر الحصار الحوثي المفروض على الصحة العامة، ويضمن عودة الفرق الطبية وحملات التطعيم إلى كل قرية ومدينة يمنية، لكي تستعيد الطفولة حقها الأصيل في الحياة والرفاه والأمان المنشود.

