لم تشهد بلاد الرافدين عبر تاريخها الحديث تحديًا كيانيًا ومصيريًا يضاهي ذاك الذي تفرضه شبكات الهيمنة الإيرانية وأدواتها من الميليشيات المسلحة التي تسعى باستماتة لتحويل الدولة العراقية إلى حديقة خلفية وممر آمن لأجندات التخريب الإقليمي.
وحين تتشابك خيوط الإرهاب الناعم القائم على التغلغل الفكري والسياسي مع الإرهاب الخشن المتمثل في الاغتيالات وقمع الاحتجاجات وقصف مقرات القرار الوطني، تجد مؤسسات الدولة نفسها في مواجهة مفتوحة لا تقبل الهوان لاستعادة هيبة القانون وبسط سيادتها الكاملة.
وتأتي التقارير الصادرة عن بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) والمنظمات الحقوقية الدولية لتكشف بالأرقام الفلكية والوقائع الموثقة عن حجم الانتهاكات الجسيمة وجرائم القمع الممنهج التي ارتكبتها الفصائل التابعة لطهران ضد المدنيين والنشطاء، مؤكدة أن نزع فتيل هذه الأزمات بات شرطًا لا غنى عنه لإنقاذ العراق من أتون الفوضى والاستنزاف المستمر.
تقارير أممية وأرقام دامغة توثق جرائم وقمع الميليشيات في العراق
تُظهر السجلات والتقارير الرسمية الصادرة عن المنظمات الدولية والأممية أن الأنشطة التخريبية للميليشيات الموالية لإيران قد خلفت إرثًا ثقيلاً من الدماء والدمار المباشر للبنية المجتمعية والسياسية في العراق.
وبحسب التقارير الموثقة لبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومفوضية حقوق الإنسان، فإن موجات القمع الدموي التي استهدفت حركة الاحتجاج الشعبية والمطالبين بالإصلاح ومحاربة الفساد والنفوذ الخارجي أسفرت عن مقتل وإصابة الآلاف من المتظاهرين الأبرياء على يد عناصر مسلحة خارجة عن القانون.
وأشارت هذه التقارير إلى توثيق مقتل ما يزيد على 500 مدني وإصابة أكثر من 20 ألف آخرين خلال الاحتجاجات الكبرى التي شهدتها بغداد والمحافظات الجنوبية والوسطى، في استجابة دموية سافرة من الميليشيات لكل صوت وطني يدعو إلى تحرير القرار العراقي من الوصاية الإيرانية.
ولم تقتصر جرائم الوكلاء الإيرانيين عند حد قمع التظاهرات السلمية، بل امتدت لتشمل شبكات معقدة من الاغتيالات المبرمجة والإخفاء القسري الذي طال العشرات من النشطاء الحقوقيين والصحفيين والباحثين الذين تجرأوا على توثيق الانتهاكات أو انتقاد التغول الميليشاوي.
ووفقًا لتقارير صادرة عن منظمات دولية مثل منظمة العفو الدولية ومركز الخليج لحقوق الإنسان، فإن هذه الفصائل المسلحة تتمتع بحصانة ميدانية مفروضة بقوة السلاح المنفلت، مما يعرقل جهود العدالة ويحول دون محاسبة الجناة الحقيقيين.
وتؤكد المعطيات الأممية، أن استمرار هذه الانتهاكات يشكل تقويضاً صارخاً لسيادة الدولة ويعيق أي محاولات جادة لبناء دولة مؤسسات عادلة تحترم حقوق الإنسان وتصون دماء مواطنيها وفقاً للمواثيق الدولية المرعية.
إرهاب الوكلاء وتقويض مؤسسات الدولة: أدوات طهران لفرض السيطرة
تسعى الإستراتيجية الإيرانية في العراق إلى إبقاء البلاد في حالة هشاشة مستمرة عبر خلق منظومة موازية لمؤسسات الدولة الرسمية، تستند إلى تمويل وتدريب شبكات من الميليشيات العقائدية التي تتلقى تعليماتها وأوامرها المباشرة من الحرس الثوري الإيراني.
وقد أشارت تقارير استخباراتية ودولية متطابقة إلى أن طهران عمدت إثر الضربات والانتكاسات المتلاحقة التي تلقتها إلى إعادة هيكلة وتشكيل فصائل نخبزية صغيرة متخصصة في استخدام الطائرات المسيرة والعمليات السيبرانية وحرب العصابات، بهدف الإفلات من الرقابة وتوجيه ضربات دقيقة لتقويض الاستقرار الداخلي وعرقلة مساعي الحكومة المركزية في بسط الأمن.
هذا التكتيك العدواني يعكس بوضوح رغبة النظام الإيراني في جعل الأراضي العراقية منصة متقدمة لتصدير أزماته الداخلية والضغط على المجتمع الدولي على حساب أمن وسلامة الشعب العراقي.
وفي السياق الميداني والسياسي، تتخذ التدخلات الإيرانية أشكالاً متعددة تتراوح بين الضغط الاقتصادي وقطع إمدادات الطاقة الحيوية واستغلال المعابر الحدودية لتمرير الأجندات المشبوهة، وبين التهديد المباشر لمؤسسات إنفاذ القانون حين تقدم السلطات على خطوات إدارية أو أمنية بسيطة لتنفيذ القانون وإزالة الرموز والشعارات الطائفية أو الخارجية.
وقد أثبتت الوقائع المتكررة أن أي محاولة حكومية لاستعادة هيبة الدولة وفرض سيادة القانون تواجه بحملات تخوين مسعورة وضغوط سياسية وميدانية شرسة تشنها الفصائل التابعة لطهران، مما يضع الحكومات العراقية المتعاقبة أمام اختبارات صعبة ومعقدة لمدى قدرتها على حماية القرار الوطني المستقل وتحرير مؤسساتها من قبضة الوصاية الخارجية المسلحة.
إن الأرقام الفزعة والتقارير الأممية والحقوقية الموثقة التي رصدت فصول الدم والانتهاكات تحتم على القوى الوطنية والحكومية والمجتمع الدولي تضافر الجهود الحقيقية لتفكيك هذه المنظومات المسلحة وتجفيف منابع تمويلها غير المشروعة.
ولن يتسنى للعراق استعادة عافيته ودوره الحضاري والإقليمي إلا بإنهاء حالة الإفلات من العقاب، وبسط سلطة الدولة وحدها على كامل ترابها الوطني، لتنتهي إلى الأبد أطماع الطامعين وأحلام تحويل العراق إلى ساحة خلفية للحروب والوكالات الإقليمية.

