لم تكن حبال المشنقة التي تنصبها السلطات الإيرانية في الساحات العامة مجرد أدوات لتنفيذ أحكام قضائية، بل تحولت إلى رسائل دم صريحة وممنهجة يوجهها نظام أرهب شعبه لإسكات أصوات جيل كامل انتفض للمطالبة بالحرية والكرامة.
وفي وقت تواجه فيه طهران إدانات حقوقية دولية غير مسبوقة بعد تسجيلها أعلى حصيلة إعدامات على مستوى العالم، تواصل آلة القمع تفريغ غضبها الأمني عبر إعدام المحتجين والمعارضين دون أدنى معايير للمحاكمات العادلة.
وتكشف أحدث التقارير الصادرة عن المنظمات الأممية ومنظمة العفو الدولية عن أرقام فلكية ومفجعة لعدد الإعدامات المنفذة، وسط تحذيرات جادة أطلقها نشطاء حقوقيون من أن انهيار الهدنة واستئناف الصراعات سيفتحان الباب على مصراعيه لحمامات دم جديدة تستهدف مئات المعتقلين السياسيين في زنازين الموت الإيرانية، مما يجعل تسليط الضوء على هذه الجرائم واجبًا إنسانيًا وحقوقيًا ملحًا لتوثيق فصول المأساة المستمرة.
أرقام فلكية وتقارير حقوقية تفضح تصاعد الإعدامات في إيران
أعادت الجريمة الأخيرة المتمثلة في إعدام الشابين أبو الفضل سيباهي بادجاني وأمير حسين سفاري حسين آبادي، على خلفية مشاركتهما في احتجاجات يناير/كانون الثاني 2026، ملف عقوبة الإعدام في إيران إلى واجهة الاهتمام الدولي.
وتؤكد البيانات الرسمية الصادرة عن وكالة أنباء ميزان التابعة للسلطة القضائية الإيرانية، أن تنفيذ هذه الأحكام يأتي ضمن سياق أمني متصرف يهدف لترهيب الشارع وإخماد أي حراك مستقبلي.
وفي تقرير مفصل وصادم أصدرته منظمة العفو الدولية وثقت المنظمة الدولية تنفيذ السلطات الإيرانية ما لا يقل عن 2159 حكم إعدام من أصل 2707 حالات موثقة على مستوى العالم بأسره خلال عام 2025 وحده، لتستحوذ طهران بذلك بمفردها على ما يقرب من 80 بالمئة من إجمالي الإعدامات المسجلة عالميًا في تطور وصفته التقارير بأنه غير مسبوق منذ أكثر من أربعة عقود، وتحديدًا منذ عام 1981.
وتشير تحليلات البيانات الحقوقية إلى أن وتيرة تنفيذ الإعدامات شهدت قفزات دراماتيكية مرتبطة بشكل مباشر بالتصعيد العسكري والسياسي الداخلي والخارجي، لا سيما عقب المواجهة العسكرية في صيف عام 2025.
فقد رصدت التقارير الأممية والدولية تسجيل 654 حالة إعدام خلال النصف الأول من ذلك العام، قبل أن يتضاعف الرقم بوحشية ليصل إلى 1505 حالات في النصف الثاني بين شهري يوليو وديسمبر.
وتؤكد منظمة “إيران لحقوق الإنسان” في تقاريرها الموثقة، أن النظام الإيراني اعتمد بشكل أساسي على عقوبة الشنق وتنفيذ الإعدامات العلنية في الميادين العامة لتعمد كسر إرادة المجتمع وبث الرعب في نفوس المواطنين، مستغلاً الأزمات الإقليمية كغطاء قانوني وأمني لتمرير هذه التصفية الممنهجة للمعارضين والناشطين الشباب الذين يحلمون بالتغيير.
استغلال القضاء أداة للقمع السياسي وملاحقة السجناء السياسيين
لا تقتصر خطورة سياسة الإعدامات في إيران على الأرقام القياسية فحسب، بل تمتد لتكشف عن التوظيف السياسي السافر للجهاز القضائي الذي تحول إلى ذراع أمنية طيعة لتكريس قبضة ولاية الفقيه بعد التغيرات القيادية الأخيرة واعتلاء مجتبى خامنئي سدة السلطة.
وفي هذا السياق، حذر مدير منظمة “إيران لحقوق الإنسان”، محمود أميري مقدم، في تصريحات موثقة نشرت حديثاً، من أن “مع انهيار وقف إطلاق النار واستئناف المواجهات، نشعر بقلق عميق وعميق جدًا من أن السلطات ستستغل هذا المناخ المشحون لتكثيف تنفيذ أحكام الإعدام بحق السجناء السياسيين والمحتجين الذين يواجهون تهمًا فضفاضة تصل عقوباتها إلى حبل المشنقة”.
وأكدت التقارير الحقوقية، أن هناك ما لا يقل عن مئة سجين سياسي صدرت بحقهم أحكام نهائية بالإعدام وينتظرون التنفيذ في أي لحظة وسط غياب تام لأي ضمانات قانونية أو حق في الدفاع عن النفس.
وتشير الوثائق والشهادات الميدانية الصادرة عن لجان تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إلى أن المحاكمات التي تُجرى للمعتقلين السياسيين في المحاكم الثورية الإيرانية تستغرق دقائق معدودة وتفتقر لأبسط معايير المحاكمة العادلة، حيث تُنتزع الاعترافات تحت تأثير التعذيب الجسدي والنفسي الممنهج.
إن الأرقام الفلكية الموثقة من قبل منظمة العفو الدولية والتقارير الأممية تحتم على الضمير العالمي عدم الصمت إزاء هذه الانتهاكات الجسيمة التي ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
وإن دعم الشعب الإيراني ومحاسبة قادة النظام على سجلهم الدموي البشع يمثلان خطوة أساسية لا غنى عنها لإنهاء حقبة الرعب والترهيب، ولضمان ألا تذهب دماء الضحايا الأبرياء هباء في مهب أطماع الاستبداد والقمع.

