في مشهد يعكس عمق التصدعات داخل بنية النظام الإيراني، أقدم التلفزيون الرسمي في طهران على خطوة مفاجئة بقطع بث مقابلة مسجلة مع كبير المفاوضين الإيرانيين ورئيس مجلس الشورى، محمد باقر قاليباف، في منتصفها.
هذه الواقعة، التي تبدو للوهلة الأولى مجرد “خطأ فني” أو “إجراء إداري”، ليست في حقيقتها إلا انعكاسًا لصراع أجنحة محتدم وتخبط مؤسسي يعيشه النظام في ظل ضغوط إقليمية ودولية غير مسبوقة.
إن قرار الحجب لم يكن عشوائيًا، بل استهدف أجزاء حساسة تتعلق بعمليات تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وملف الأصول المجمدة، وقرض إعادة الإعمار الضخم بقيمة 300 مليار دولار، وهي ملفات تمس جوهر السيادة والشفافية التي يفتقدها النظام بشكل هيكلي.
تقارير أممية وحقوقية: سجل أسود يتجاوز الرقابة
كما أن تتبع سلوك النظام الإيراني لا يتوقف عند قمع الأصوات الإعلامية، بل يمتد إلى سجل حافل من الانتهاكات التي وثقتها الهيئات الدولية.
ففي تقرير أصدره “مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في إيران” في مارس 2025، تم توثيق “نمط منهجي من القمع” يستهدف حرية التعبير، حيث أشار التقرير إلى أن السلطات الإيرانية تستخدم الترسانة الإعلامية الرسمية لا لتنوير الرأي العام، بل لتضليله وحجب الحقائق التي تهم حياة المواطن اليومية.
وفي السياق ذاته، كشفت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في توثيقها السنوي لعام 2024، أن طهران تفرض رقابة صارمة على المعلومات المتعلقة بالسياسات الاقتصادية والنووية، مستخدمةً القبضة الأمنية لمنع أي نقاش جدي حول التداعيات الكارثية لهذه السياسات على الاقتصاد الإيراني المنهك.
أزمات الطاقة والتناقضات الرسمية
في مقابل تصريحات قاليباف التي ادعى فيها تصدير 40 مليون برميل نفط بعد رفع الحصار، تبرز تقارير مراقبة صادرات النفط التي أشارت في تحليلها لشهر يونيو 2026 إلى أن معظم هذه الصادرات تتم عبر آليات “اقتصاد الظل” الذي يفتقر إلى العقود الشفافة والمكاسب الوطنية الملموسة.
إن اعتراف قاليباف الضمني بعدم القدرة على تصدير برميل واحد خلال الـ 60 يومًا الماضية يفضح هشاشة الوضع الاقتصادي الذي يحاول النظام تغليفه بشعارات “الاكتفاء الذاتي”، هذا التخبط يمتد ليشمل “مذكرة التفاهم” مع واشنطن لإنهاء التوترات، والتي تواجه رفضًا من تيار المحافظين المتشدد، الذي وصل به الأمر عبر مذيعي التلفزيون الرسمي للدعوة إلى “إغلاق مطارات البلاد” لمنع الوفد التفاوضي من المغادرة، في سابقة تعكس حالة الانفصام داخل مؤسسات الحكم.
الانقسام المؤسسي: صراع السلطة والقرار
وتؤكد التحليلات، استنادًا إلى وقائع رصدها “مركز كارنيغي للشرق الأوسط”، أن هذا الشقاق داخل النظام ليس طارئًا، بل هو نتيجة مباشرة للضربات السياسية والأمنية التي تلقاها النظام خلال الحرب الأخيرة، وإن حذف أجزاء من مقابلة المسؤول الثاني في الدولة يُعد دليلاً دامغًا على أن “هيئة البث الإيرانية” “ايريب” تعمل وفق أجندات أمنية تتجاوز صلاحيات الحكومة والبرلمان نفسه.
فعندما تُفرض الرقابة على رئيس مجلس الشورى، فإننا أمام نظام ينهار داخليًا، حيث تغيب المؤسسات ويحكم “صناع الظل” من الأجهزة الأمنية الذين يخشون انكشاف حجم الفشل في إدارة ملفات مثل تفتيش الوكالة الدولية، والذي يُعد الورقة الأخيرة التي يحاول النظام المراهنة بها لرفع العقوبات، رغم أن تصرفاته على الأرض توحي بعكس ذلك تمامًا.
وتُجمع التقارير الميدانية على أن المدن الإيرانية تشهد حالة من التململ تجاه هذه الصراعات، خاصة في ظل انهيار القدرة الشرائية وارتفاع التضخم، وبينما يتباهى النظام بفتح مضيق هرمز وإعادة تصدير النفط، يعاني المواطن الإيراني من أزمة خانقة في الخدمات الأساسية.
إن قمع الإعلام ليس سوى “حائط صد” أخير يحاول النظام خلفه إخفاء حقيقة أن قراراته الاستراتيجية لم تحقق أي مكاسب ملموسة، وفي الوقت الذي يحذر فيه خبراء الطاقة من أن السياسات الإيرانية الحالية تعمق العزلة الدولية وتضع الاقتصاد في نفق مظلم، يثبت النظام يوميًا أنه يفضل الحفاظ على “توازنات السلطة” على حساب استقرار الدولة ومصلحة شعبها، مما يفتح الباب واسعًا أمام سيناريوهات أكثر قتامة في حال استمرار هذا التخبط بين التصريحات المضللة والواقع المنهار.

