ذات صلة

جمع

بين التطمينات والرقابة.. “غروسي” يضع تفتيش المنشآت النووية الإيرانية على سكة التنفيذ

أعاد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي...

بين “وعود التهدئة” و”أفعال العدوان”.. كيف تحرق إيران مراكب الدبلوماسية؟

لم تكن المحادثات الجارية في سويسرا بين الجانب الأمريكي...

سياسة “تطهير الموانئ”.. كيف تستخدم سلطة البرهان الديموغرافيا لخدمة النفوذ؟

لم تعد بورتسودان مجرد مدينة ساحلية أو مرفأ للصادرات...

بين “وعود التهدئة” و”أفعال العدوان”.. كيف تحرق إيران مراكب الدبلوماسية؟

لم تكن المحادثات الجارية في سويسرا بين الجانب الأمريكي والوفد الإيراني يومًا مجرد حوار دبلوماسي تقليدي، بل هي حلقة جديدة في مسلسل طويل من المراوغات التي تتقنها طهران ببراعة فائقة.

فبينما يترقب المجتمع الدولي مؤشرات على تهدئة ملموسة، يكشف “عقل المشهد” عن وجه آخر للمفاوضات؛ وجه يغلب عليه التكتيك الإيراني القائم على كسب الوقت، والتنصل من الالتزامات، واستخدام “آليات التنفيذ” كأدوات للتعطيل بدلاً من التيسير، وإن المشهد في جنيف وسويسرا ليس سوى ساحة جديدة لمناورات لا تهدف إلى الوصول لنقطة نهاية، بل إلى تدوير الأزمة بما يخدم استمرارية النظام الإيراني وتمدد أذرع الحرس الثوري في الإقليم.

المراوغة كعقيدة سياسية: طهران واللعب على حبال الوقت

اعتادت طهران منذ عقود على استراتيجية “التفاوض من أجل التفاوض”، وفي جولة سويسرا الحالية، تتبع طهران نهجاً مريباً يقوم على إبداء مرونة شكلية في القضايا غير الجوهرية، بينما تضع “خطوطًا حمراء” أمام آليات التحقق والمتابعة التي يطالب بها الطرف الأمريكي وإن هذا التناقض ليس نابعًا من صراع داخلي فحسب، بل هو قرار مركزي يهدف إلى إفراغ أي اتفاق مستقبلي من مضمونه الفعلي وإن طهران تدرك جيدًا أن أي اتفاق يضعها تحت مجهر الرقابة الدولية هو تهديد مباشر لمشروعها التوسعي، ولذلك تستميت في جعل “آليات التنفيذ” مجرد حبر على ورق، تفتقر إلى أي قوة إجرائية ملزمة.

الحرس الثوري.. المعطل الخفي خلف طاولة المفاوضات

ولا يمكن فهم سلوك الوفد الإيراني في سويسرا دون النظر إلى الضغوط التي يمارسها الحرس الثوري داخل طهران. هناك فجوة واسعة بين التصريحات الدبلوماسية الموجهة للخارج وبين الممارسات الميدانية التي يشرف عليها الحرس الثوري.

فبينما يتحدث المفاوض الإيراني عن “آفاق التهدئة”، تستمر طهران في تعزيز قدرات وكلائها التقنية والعسكرية، وهو ما يضع التساؤل الجوهري، هل تملك الحكومة الإيرانية فعليًا سلطة الالتزام بأي اتفاق؟

فالواقع يشير إلى أن الحرس الثوري يعمل كدولة داخل الدولة، ويستخدم طاولة المفاوضات كغطاء لترتيب أوراقه العسكرية، مما يجعل أي اتفاق في سويسرا معرضًا للانهيار عند أول اختبار جدي لآليات التنفيذ.

آليات المتابعة.. لماذا تخشى إيران الرقابة الدولية؟

إن جوهر الخلاف في سويسرا لا يدور حول العناوين العريضة للاتفاق، بل يكمن في التفاصيل الدقيقة المتعلقة بـ “آليات التحقق والمتابعة” وتدرك طهران أن الموافقة على آليات تفتيش أو رقابة دولية صارمة تعني تقويض قدرتها على الاستمرار في تهريب التكنولوجيا العسكرية وتزويد أذرعها في المنطقة بالمسيرات والصواريخ، ولذلك، تلجأ طهران إلى سياسة “إغراق المفاوضات بالتفاصيل الفنية” التي لا تنتهي، مما يستهلك طاقة الوسطاء ويشتت انتباههم عن الملفات الأساسية.

هذه المراوغة المدروسة هي سلاح إيران الأقوى في سويسرا، حيث تحول المفاوضات إلى حلقة مفرغة تهدف إلى إحباط أي محاولة للوصول إلى حل نهائي.

فخ التهدئة المؤقتة: هل تنطلي الحيلة على الإدارة الأمريكية؟

تحاول طهران تصوير مشاركتها في محادثات سويسرا كدليل على رغبتها في التهدئة، لكن الحقائق على الأرض تؤكد عكس ذلك، وإن إيران لا تسعى لإنهاء الصراعات التي تتغذى عليها، بل تسعى لتثبيت واقع يمنحها هامشًا للمناورة بعيدًا عن ضغوط العقوبات.

وإن المراوغات الإيرانية تهدف إلى كسب اعتراف ضمني بنفوذها الإقليمي دون تقديم تنازلات حقيقية في الداخل. وهذا الفخ لا يستهدف أمريكا فحسب، بل يستهدف استقرار المنطقة التي تجد نفسها عالقة بين وعود إيرانية بالسلام وأفعال عدوانية مستمرة تقودها أجهزة النظام الموازية.

مستقبل المفاوضات.. بين وهم الحل وواقع التلاعب

مع دخول المحادثات مرحلة جديدة، تبرز تساؤلات حول جدوى الاستمرار في مسار تغلب عليه المراوغة، وإن التاريخ القريب والبعيد يثبت أن النظام في طهران لا يستجيب إلا للضغط المتواصل، وأن لغة الدبلوماسية التي يمارسها ليست سوى تكتيك للبقاء.

ونرى أن مفاوضات سويسرا لن تحقق خرقًا حقيقيًا ما لم يتم كسر حلقة المراوغة الإيرانية بآليات تنفيذية صارمة لا تقبل التفسيرات الملتوية، وإن استمرار إيران في هذه الألاعيب لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة الدولية، وتحويل سويسرا إلى منصة أخرى لتضييع الوقت، بينما يستمر الحرس الثوري في تهديد أمن الإقليم خلف ستار المحادثات.