لا تزال العاصمتان بغداد وطرابلس ترزحان تحت وطأة تحديات أمنية وسياسية متشابهة إلى حد التطابق، حيث بات نفوذ المليشيات المسلحة يمثل عائقاً وجودياً أمام بناء الدولة ومؤسساتها، إذ تتداخل المصالح السياسية لهذه الجماعات مع أدوات السلاح، مما خلق واقعاً هشاً جعل من “السيادة الوطنية” مفهوماً نظرياً تغيب ممارسته على الأرض في ظل هيمنة القوى غير الرسمية.
إن المتأمل في المشهد العراقي والليبي يجد تقاطعات صارخة في كيفية توظيف السلاح لتعطيل المسارات الديمقراطية، حيث تستخدم المليشيات قوتها الميدانية لفرض إملاءاتها على صناع القرار، وتحويل أجهزة الدولة إلى هياكل إدارية خاضعة لأجندات فئوية، مما جعل المواطن في كلا البلدين يقع ضحية دائمة لصراعات لا تنتهي على النفوذ والموارد والسيطرة على القرار السيادي.
المليشيات كأداة لتعطيل التحول الديمقراطي
تلعب المليشيات في العراق وليبيا دور “المعطل الدائم” لأي محاولة للانتقال إلى مرحلة الاستقرار السياسي الكامل، فمن خلال الضغط المسلح على المؤسسات التشريعية والتنفيذية، تضمن هذه الجماعات بقاءها لاعباً أساسياً لا يمكن تجاوزه، بل وصل الأمر إلى فرض شروط معينة في القوانين الانتخابية أو التعيينات الحكومية لضمان مصالح قيادات تلك الجماعات.
هذا التدخل المباشر في العملية السياسية أدى إلى تآكل الثقة الشعبية في الصناديق الانتخابية، ففي الوقت الذي يتطلع فيه المواطنون إلى قيام مؤسسات قوية قادرة على فرض القانون، يجدون أنفسهم أمام كيانات موازية تمتلك ثكنات ومعسكرات وأسلحة ثقيلة تفوق، في كثير من الأحيان، قدرات الأجهزة الأمنية الرسمية، مما يكرس حالة من الارتهان السياسي الدائم.
صراع الهيمنة على مقدرات الدولة
تتجاوز جرائم المليشيات حدود الترهيب السياسي لتصل إلى الهيمنة الاقتصادية الممنهجة، إذ تشير التقارير الميدانية في بغداد وطرابلس إلى استيلاء هذه الجماعات على قطاعات حيوية، بدءاً من المنافذ الحدودية والأسواق، وصولاً إلى التحكم في المشاريع الاستثمارية الكبرى، مما حوّل الدولة إلى “بقرة حلوب” تموَّل من خلالها هذه الجماعات أنشطتها وتضمن استمرار ولائها.
لقد أدى هذا النمط من الاقتصاد المليشياوي إلى إفراغ خزائن الدولة من الموارد، وساهم في تعميق الفوارق الطبقية، حيث تستفيد النخبة المسلحة من ثروات البلاد، بينما يعاني المواطن من تدهور حاد في الخدمات الأساسية، والبطالة، وتآكل الطبقة الوسطى، في دورة مستمرة من التفقير الممنهج لضمان الخضوع للسلطة المليشياوية.
الانتهاكات الجسيمة وغياب العدالة والمحاسبة
شهدت المدن العراقية والليبية موجات من الانتهاكات الحقوقية الجسيمة، شملت عمليات الاغتيال السياسي، والخطف الممنهج، والاعتقال التعسفي لكل من يرفع صوته ضد هيمنة المليشيات، حيث أصبحت العدالة غائبة تماماً في ظل سيطرة السلاح، وأضحت المحاكم والمؤسسات القضائية غير قادرة على ملاحقة المرتكبين الذين يحتمون بعباءة القوة المسلحة.
لقد خلّفت هذه الممارسات جراحاً عميقة في النسيج الاجتماعي، وعززت الشعور بالظلم لدى الفئات المجتمعية التي رفضت الخضوع للابتزاز، بل إن هذه المليشيات دأبت على استخدام العنف أداةً لترويع المجتمع المدني، وضرب النشطاء، وقمع حرية التعبير، مما جعل التغيير السلمي مطلباً يكاد يكون مستحيلاً في ظل هذه القبضة الحديدية التي لا ترحم.
التحدي الوجودي لاستعادة هيبة الدولة
إن استعادة هيبة الدولة في العراق وليبيا ليست مجرد عملية أمنية روتينية، بل هي معركة وجود تتطلب إرادة سياسية حقيقية قادرة على تفكيك هذه الشبكات المسلحة ودمج عناصرها في مؤسسات الدولة الرسمية وفق معايير مهنية، بعيداً عن سياسات المحاصصة والترضيات السياسية التي أثبتت فشلها الذريع على مدار سنوات طويلة.
التحدي الأكبر يكمن في وجود غطاء سياسي يدعم هذه الجماعات، مما يجعلها تبدو كأنها جزء من النظام الحاكم لا خارجة عليه، وهذا ما يضع أصحاب القرار في مواجهة مباشرة مع خياراتهم الوطنية؛ فإما المضي قدماً نحو استعادة السيادة وبناء جيش وطني موحد، وإما الاستمرار في نهج “التعايش القسري”، الذي يعني في جوهره القبول التدريجي بانهيار الدولة لصالح الدويلات المسلحة.
إن الأمل في تجاوز هذه الحقبة المظلمة مرهون بقدرة الشعوب في بغداد وطرابلس على الاستمرار في المطالبة بإنهاء ظاهرة السلاح المنفلت، والضغط نحو إيجاد بدائل سياسية تحترم سيادة القانون وتضع حداً لسياسة الإفلات من العقاب، فالدولة لا تستقيم إلا باحتكار السلاح في يد المؤسسات الوطنية وحدها.

