يعيش المجتمع الدولي حالة من الترقب المشوب بالحذر تجاه المساعي الجارية لإتمام الاتفاق المرتقب بين الولايات المتحدة وإيران، وسط شكوك متزايدة حول جدية الجانب الإيراني في الالتزام بأي تعهدات؛ نظرًا للسجل الطويل من الخروقات الميدانية التي ارتكبتها طهران، والتي تضع علامات استفهام كبيرة حول فعالية التوقيع الإلكتروني المنتظر وتأثيره على أرض الواقع.
إن التاريخ المليء بانتهاك التفاهمات والمواثيق يبرز بوضوح في السلوك الإيراني، حيث اعتادت طهران استخدام “الهدن” كغطاء للمناورة وتجميع القوى، بينما تستمر في خروقاتها الميدانية عبر تفعيل برامجها الصاروخية أو من خلال التصعيد المباشر، مما يؤكد أن الاستراتيجية الإيرانية ما تزال قائمة على مبدأ الإفشال الممنهج لأي جهود وساطة دولية.
السياسة الإيرانية القائمة على المماطلة والعرقلة
تتجلى سياسة العرقلة الإيرانية في التخبط التصريحي الذي يمارسه مسؤولوها، حيث تتباين المواقف بين التأكيد على جاهزية التوقيع والمماطلة في المواعيد، وهو ما يعكس نهجًا متعمدًا لتعطيل المسار الدبلوماسي؛ بهدف كسب الوقت وتجنب الرقابة الصارمة على أنشطتها النووية وبرامجها التسليحية التي تشكل تهديداً لأمن المنطقة.
هذا التذبذب في الموقف الإيراني لا ينفصل عن الانتهاكات الميدانية التي شهدتها الأسابيع الماضية، حيث تبادلت طهران وتل أبيب القصف في خرق صارخ للهدنة المعلنة في السابع من أبريل الماضي، الأمر الذي يعزز القناعة بأن طهران تتخذ من المفاوضات وسيلة لامتصاص الضغوط، بينما يظل خيار التصعيد هو المحرك الأساسي لسياساتها الخارجية.
التهديد المستمر لأمن الممرات المائية الحيوية
تظل قضية مضيق هرمز وممرات إمدادات الطاقة العالمية رهينة للممارسات الإيرانية التي لا تتوقف عن تهديد الملاحة الدولية، حيث تدرك طهران أن السيطرة على هذا الشريان الحيوي هي ورقة الضغط الأقوى في يدها، مما يدفعها للاستمرار في انتهاكاتها رغم كل الدعوات الدولية بضرورة تحييد الاقتصاد العالمي عن الصراعات السياسية.
إن إصرار طهران على ربط انفتاح الممرات المائية باتفاقيات مشروطة ومعرضة للنقض في أي لحظة، يكشف عن استراتيجية ابتزاز دولي تستهدف تعظيم المكاسب السياسية على حساب الاستقرار الإقليمي، وهو ما يجعل من كل اتفاق جديد مع النظام الإيراني محل شك، ما لم تكن هناك آليات مراقبة حقيقية تضمن كف يدها عن العبث بالأمن الملاحي.
الطموحات النووية والرهان على “الغبار العسكري”
ولا يمكن فصل الخروقات الميدانية الإيرانية عن الطموحات النووية الجامحة التي لم تتوقف رغم العقوبات والعمليات الاستباقية؛ إذ تشير المعطيات إلى أن طهران تسعى بكل ما أوتيت من قوة لتطوير مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب تحت ستار الضبابية السياسية والمراوغة الدبلوماسية، مما يجعل من البرنامج النووي الإيراني أكبر تحدٍ للأمن الدولي.
إن تصريحات المسؤولين الإيرانيين حول انتظار الوقت المناسب للدخول في تفاصيل الملفات التقنية، ليست إلا محاولة للالتفاف على المطالب الدولية بفرض قيود صارمة، وهو ما يؤكد أن طهران لا تسعى إلى سلام حقيقي، بل إلى شراء الوقت الكافي لاستكمال قدراتها التي تتيح لها فرض أمر واقع جديد يتجاوز كافة المواثيق والاتفاقيات.
انهيار الثقة الدولية ومسؤولية طهران
تسببت سلسلة الانتهاكات الإيرانية المتكررة في تقويض الثقة الدولية تجاه أي التزام قد تقدمه طهران، إذ أصبح العالم ينظر إلى التوقيعات الإلكترونية أو المذكرات الدبلوماسية كإجراءات شكلية لا قيمة لها في ظل استمرار الخروقات على الأرض، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية في التعامل بجدية مع التهديدات الميدانية التي تفتعلها إيران.
في نهاية المطاف، إن حرب الهدنة التي تديرها طهران هي حرب استنزاف للمساعي الدولية، تهدف من خلالها إلى تفكيك التحالفات الدولية وإضعاف القدرة على فرض شروط تضمن الاستقرار، وهو ما يتطلب موقفا٥ حازمًا يتجاوز مجرد المفاوضات التقليدية، لضمان وضع حد نهائي لمسلسل الخروقات الإيرانية الذي يهدد استقرار المنطقة برمتها.
وإن المنطقة لا تحتاج إلى مذكرات تفاهم هشة قابلة للكسر، بقدر ما تحتاج إلى التزام حقيقي وميداني يكف عن استخدام لغة الصواريخ والقصف كأداة لفرض النفوذ، فاستمرار طهران في هذا المسلك لن يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة الدولية، وإلى تعميق الأزمات التي يعاني منها الشعب الإيراني نفسه نتيجة لسياسات نظامه الخارجية القائمة على الصراع لا التعايش.

