لم يعد الحديث عن “الجهاز السري” لحركة النهضة في تونس مجرد اتهامات سياسية عابرة أو سجال إعلامي، بل تحول إلى حقيقة دامغة أثبتتها أروقة المحاكم التونسية بأحكام قضائية ثقيلة وضعت حدًا لممارسات استخباراتية شوهت الحياة الديمقراطية.
لقد كان هذا الجهاز بمثابة أخطبوط أمني موازي للدولة، تم تصميمه بعناية فائقة لا لخدمة البلاد، بل للتجسس على الخصوم، ومراقبة الرموز الوطنية، واختراق أدق تفاصيل الحياة الخاصة للتونسيين داخل مكاتبهم وحتى غرف نومهم، في واحدة من أبشع صور انتهاك الخصوصية والسيادة الوطنية التي عرفتها البلاد في تاريخها المعاصر.
الهيكل الاستخباراتي: أذرع خفية لإدارة الفوضى والشائعات
كشفت الوثائق التي عثرت عليها هيئة الدفاع عن السياسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي عن هيكل تنظيمي معقد للجهاز السري، يدار بعقلية استخباراتية محترفة تهدف إلى السيطرة المطلقة.
لم يكتفِ هذا الجهاز بجمع المعلومات العامة، بل تفرع إلى شعب متخصصة تشمل جمع المصادر السرية والمفتوحة، العلاقات الاستخباراتية المضادة، والحرب النفسية عبر بث الشائعات المدمرة، وصولاً إلى أرشفة البيانات التي تم الحصول عليها عبر التنصت غير المشروع.
كان مصطفى خذر، المشرف على هذا الجهاز، يدير شبكة متشعبة من العناصر التي تم دمجها في مفاصل الدولة التونسية تحت غطاء “العفو التشريعي العام”، مما مكن الجماعة من وضع يدها على مفاصل حساسة في الإدارة التونسية.
هذه الأذرع لم تكن تعمل بمعزل عن التوجيه السياسي، بل كانت الأداة التنفيذية التي تضمن للقيادة البقاء في السلطة عبر ترهيب الخصوم، وجمع أوراق الضغط عليهم، وتصفيتهم سياسيًا أو جسديًا إذا ما لزم الأمر، وهو ما تؤكده الوثائق التي وثقت عمليات تجسس طالت حتى أجهزة الأمن الخارجي للبلاد.
“الغرفة السوداء”: حينما تحولت وزارة الداخلية إلى مقر للجماعة
تعد “الغرفة السوداء” في وزارة الداخلية التونسية شاهدًا صارخًا على مدى توغل الجهاز السري في مؤسسات الدولة، حيث تم نقل كميات هائلة من الوثائق الحساسة إليها دون أي غطاء قانوني أو محضر حجز رسمي، هذه الغرفة، التي حاولت الجماعة إخفاءها لفترة طويلة، احتوت على أدلة مادية تربط الجهاز السري بعمليات اغتيال سياسية وتجسس واسع النطاق، مما يثبت أن الجماعة كانت تدار بعقلية “الدولة العميقة” التي تسخر موارد الدولة لحماية مصالحها الخاصة وتصفية حساباتها مع كل من يقف في وجه مشروعها.
إن اكتشاف هذه الوثائق من قبل قضاة التحقيق لم يكن مجرد صدفة قانونية، بل كان لحظة مفصلية أسقطت أقنعة التدين السياسي والادعاء بالديمقراطية، لتكشف عن وجهٍ أمني يمارس الانتهاكات بأبشع صورها.
لقد كانت التقارير الموجودة في تلك الغرفة تشمل قوائم بأسماء شخصيات سياسية وإعلامية ونقابية، مع تفاصيل دقيقة عن تحركاتهم ومكالماتهم، مما يؤكد أن التنصت لم يكن استثناءً، بل كان نهجًا ممنهجًا لإدارة الحكم والسيطرة على القرار الوطني من وراء الستار.
الاغتيالات السياسية: النتيجة المأساوية للقبضة الإخوانية
لم تقف جرائم الجهاز السري عند حد التجسس، بل امتدت لتطال أرواح قادة سياسيين دفعوا حياتهم ثمنًا لمواقفهم الرافضة لمشروع الجماعة.
تؤكد التحقيقات والأدلة الموثقة وجود روابط قوية بين الجهاز السري وعناصر متورطة في اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي، حيث وفر الجهاز غطاءً أمنيًا ولوجستيًا لضمان تنفيذ هذه العمليات الإرهابية والتستر على منفذيها.
إن وجود قائمة أرقام هواتف مرتبطة ببعض المتهمين في الاغتيالات داخل أوراق مصطفى خذر يعزز فرضية التخطيط المسبق والتنسيق المباشر بين الجناح الأمني للجماعة والتنظيمات الإرهابية.
إن الأحكام القضائية التي صدرت مؤخرًا، والتي شملت قيادات الصف الأول في حركة النهضة، بما في ذلك راشد الغنوشي وعلي العريض، تمثل انتصاراً للعدالة وتأكيدًا على أن الحصانة السياسية لا يمكن أن تحمي المتورطين في جرائم تمس أمن الدولة.
هذه المحاكمات وضعت النقاط على الحروف، وكشفت كيف استخدم الإخوان “الشرعية السياسية” كستار لتنفيذ أجندات أمنية إجرامية، وكيف جرى استغلال القضاء والأجهزة الأمنية في وقت سابق لإفلات المتورطين من العقاب، قبل أن ينتصر الحق وتنكشف الحقائق أمام الشعب التونسي.
العدالة والسيادة: الدرس المستفاد من تجربة الإخوان
يعيش المجتمع التونسي اليوم مرحلة من كشف الحساب التاريخي، حيث تدرك الأطراف الوطنية أن الحفاظ على الدولة يتطلب تصفية هذه الأذرع الأمنية الموازية تمامًا.
إن المطالبات الشعبية والقانونية بتسليم المتورطين الفارين خارج البلاد، والذين صدرت بحقهم أحكام بالسجن المؤبد، تأتي في إطار السعي لإغلاق هذا الملف الدموي نهائيًا وضمان عدم عودة الجماعة للعبث بمقدرات الدولة.
تظل قضية الجهاز السري درسًا قاسيًا للشعوب، يؤكد أن أي جماعة دينية تخلط بين العمل السياسي والعمل الاستخباراتي الموازي ستنتهي حتمًا إلى تدمير نفسها وإغراق البلاد في أزمات لا تنتهي.
إن ما حدث في تونس ليس مجرد قضية أمنية، بل هو معركة وجود بين الدولة الوطنية والتنظيمات التي لا تعترف بحدود السيادة.
لقد أثبتت التجربة، أن إخوان تونس، بقيادتهم المتهالكة التي تورطت في كل هذه الجرائم، فقدوا قدرتهم على الاستمرار في المشهد السياسي، وأصبحوا اليوم أمام طائلة القانون وقوة الشعب الذي يرفض أن تكون حياته الخاصة وخصوصياته تحت مجهر التجسس، وإن استعادة الدولة لهيبتها تبدأ من المحاسبة الجذرية لكل من سولت له نفسه تحويل المؤسسات الوطنية إلى غرف مظلمة للتجسس والترهيب، وهو المسار الذي لن تتراجع عنه تونس حتى يكتمل بناء دولة القانون والمواطنة الحقيقية.

