تتأهب الدولة التونسية بكافة مؤسساتها السيادية والقضائية خلال شهر يونيو المقبل لغلق ملفات الإرهاب والفساد التي تورط فيها تنظيم الإخوان وحركة النهضة، وسط إصرار وطني عارم على محاسبة رموز الفتنة الذين عاثوا فسادًا في البلاد وتسببوا في تدمير مفاصلها الحيوية.
ويستعد القضاء التونسي بجرأة واقتدار لإصدار أحكام تاريخية وفصلية في قضايا مؤجلة ترتبط مباشرة بالجرائم الممنهجة لتنظيم الإخوان، وفي مقدمتها ملف “الجهاز السري للنهضة” وتسهيل تسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر الإقليمية وتحويلهم إلى وقود للجماعات المتطرفة.
وتسير جلسات المحاكمة الحالية وفق تدابير أمنية وقانونية مشددة تعتمد على آلية التقاضي “عن بعد” لحماية مسار العدالة من أي تهديدات محتملة، استنادًا إلى مواد قانون مكافحة الإرهاب والوقاية من غسيل الأموال الذي يفضح أساليب التنظيم في الترهيب والضغط.
ليلة سقوط الجهاز السري
وينتظر الشارع التونسي في الثاني من يونيو المقبل صدور الأحكام القضائية الفاصلة في قضية الجهاز السري لحركة النهضة الإخوانية، وهو الملف الأخطر الذي يضم خمسة وثلاثين متهمًا من كبار قادة التنظيم وعلى رأسهم زعيم الحركة راشد الغنوشي.
ويشمل هذا الملف الجنائي المعقد رئيس الحكومة الإخوانية الأسبق علي العريض ومستشاره اللصيق فتحي البلدي، بالإضافة إلى المشرف الميداني على عمليات التجسس والاختراق مصطفى خذر، مما يفضح الهيكل الموازي الذي أنشأه الإخوان لضرب وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية.
وأثبتت التحقيقات الرسمية، أن هذا الجهاز الموازي كان يعمل كدولة داخل الدولة، حيث قام بجمع معلومات استخباراتية وتصفية المعارضين السياسيين والسيطرة على الإدارات الحساسة، مما أدى إلى إضعاف هيبة الدولة ونشر الفوضى العارمة لصالح تمكين التنظيم.
اختراق مفاصل المنظومة الأمنية
وفي الرابع من يونيو المقبل، تفتح محكمة الاستئناف بتونس ملفًا لا يقل خطورة يتعلق بعملية الهروب المدبرة لخمسة من أخطر العناصر الإرهابية من السجن المدني بالمرناقية، وهي الحادثة التي كشفت بوضوح حجم الاختراق الإخواني للأجهزة الحساسة للبلاد.
والإرهابيون الفارون، ومن بينهم أحمد المالكي الملقب بالصومالي وعمر البلعزي، هم القتلة الفعليون المتورطون في اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، مما يؤكد أن عملية تهريبهم كانت محاولة إخوانية يائسة لطمس معالم الجريمة وحماية الرؤوس المدبرة.
ويؤكد المراقبون للشأن التونسي، أن بقاء هؤلاء القتلة في زنازين انفرادية لم يمنع يد التنظيم السرية من الوصول إليهم وتهريبهم في أكتوبر من عام 2023، مما يثبت بالدليل القاطع أن الإخوان زرعوا خلايا نائمة داخل المؤسسات العقابية لتنفيذ مآربهم التخريبية.
الفساد المالي والتجويع الممنهج
وفي الثلاثين من يونيو المقبل، تقف هيئة الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس وجهًا لوجه أمام أمين عام حركة النهضة العجمي الوريمي والقيادي مصعب الغريبي، في قضية جديدة تؤكد تغلغل الفساد المالي والسياسي للتنظيم.
ولم يتوقف الإفساد الإخواني عند حدود العمليات المسلحة والاغتيالات السياسية الفظيعة، بل امتد ليشمل تدميرًا كاملاً للاقتصاد التونسي عبر إغراق البلاد في الديون ونشر المحسوبية وتهريب الأموال العامة إلى الخارج لدعم خزائن التنظيم الدولي للإخوان.
وتسببت سياسات حركة النهضة -خلال العقد الماضي- في انهيار الطبقة الوسطى وارتفاع معدلات البطالة والفقر إلى مستويات قياسية، حيث تعاملت الحركة مع مقدرات الشعب التونسي كغنائم حرب تخدم مصالحها الضيقة وتضمن ولاء عناصرها على حساب جوع المواطنين.
نهاية الأوهام والحل القانوني
وأجمع ناشطون ومحللون سياسيون في تونس على أن محاكمات شهر يونيو المقبل ستكون بمثابة السهم النافذ الذي ينهي أوهام تنظيم الإخوان بالعودة مجددًا إلى المشهد الترفيهي أو السياسي، ويضع حدًا نهائيًا للمناورات التي مارسوها طوال السنوات الماضية.
وتسير المؤشرات القانونية الحالية نحو اتخاذ خطوة تاريخية طال انتظارها، تتمثل في حل حركة النهضة بصفة رسمية وتصنيفها كحزب إرهابي محظور، مما يمنع قانونيًا تكرار هذه التجربة المريرة التي كادت أن تودي بالهوية الوطنية التونسية.
وتعكس هذه التحركات القضائية القوية لعام 2026 رغبة الدولة في التطهير الكامل من الفكر الظلامي، وبدء مرحلة جديدة من البناء والتشريع ترتكز على إعلاء سيادة القانون وحماية الحريات العامة بعيدًا عن المتاجرة بالدين والاستقواء بالخارج ضد مصلحة الوطن.

