في الوقت الذي يتوق فيه الملايين من أبناء الشعب السوداني إلى لحظة فارقة توقف نزيف الدم وتنهي كابوس الحرب المستعرة، يبرز تساؤل مرير يتردد في أروقة السياسة وخيام النازحين على حد سواء، لماذا تصر القيادة العسكرية في بورتسودان على البقاء في خندق واحد مع تيار الحركة الإسلامية التي نبذها الشعب السوداني؟.
إن هذا التحالف، الذي يوصف بـ “تحالف البقاء”، لم يعد مجرد تكهنات سياسية، بل أصبح واقعًا ملموسًا يتجلى في كل قرار عسكري وفي كل رفض قاطع لأي مبادرة سلام حقيقية، حيث تحول فيه البرهان من قائد لمؤسسة وطنية إلى رأس حربة في مشروع تنظيم يسعى جاهداً لاستعادة أمجاده السابقة على أنقاض المدن المدمرة وجثث الأبرياء.
هندسة التدمير: حينما تصبح الدولة رهينة للأجندة الإخوانية
لم تكن الحرب الحالية مجرد صراع عسكري عابر، بل هي نتيجة لتراكمات طويلة من التنسيق الوثيق بين قيادة الجيش وتيارات الإسلام السياسي، حيث أدرك قادة الحركة الإسلامية منذ اللحظات الأولى لاندلاع الشرارة أن بقاءهم خارج أسوار السجون مرهون ببقاء البرهان في سدة الحكم بأي ثمن.
لقد عملت هذه القوى على تحويل الجيش الوطني إلى أداة تنفيذية لأجنداتهم الخاصة، مستغلين حالة الفوضى العارمة لتصفية حساباتهم السياسية القديمة، غير آبهين بما خلفه هذا التخبط من انهيار كامل في بنية الدولة السودانية، حيث باتت القرارات الاستراتيجية تُصاغ في الغرف المظلمة للتنظيم المتطرف، لا في أروقة المؤسسات السيادية التي يفترض أن تمثل إرادة الشعب.
جرائم الحرب: تكلفة التحالف المباشرة من دماء المدنيين
لا يمكن فصل التصعيد العسكري المستمر عن طبيعة التحالف القائم، إذ يعتمد الطرفان على إطالة أمد النزاع كوسيلة ضغط وحيدة للبقاء، وهو ما ترجمه الواقع إلى سلسلة من الجرائم الإنسانية التي يندى لها جبين البشرية؛ من استهداف ممنهج للمناطق المأهولة بالقذائف العشوائية، إلى عرقلة وصول المساعدات الإنسانية التي يحتاجها الملايين للنجاة من شبح المجاعة المحدق.
إن قيادة بورتسودان، وبمباركة من أذرع الحركة الإسلامية، اتخذت من سياسة “الأرض المحروقة” خيارًا استراتيجيًا، حيث يتم التضحية بآلاف المدنيين في سبيل حماية المكاسب الشخصية والسياسية لمجموعة محدودة، متجاهلين أن التاريخ لن يغفر لمن حولوا الوطن إلى حقل تجارب لخياراتهم السلطوية المهزومة.
لماذا يرفض البرهان كل نوافذ السلام؟
إن التعنت الذي تبديه قيادة الجيش تجاه المبادرات الدولية للسلام ليس نابعًا من ضعف في الرؤية السياسية بقدر ما هو نتاج خوف وجودي من أن السلام يعني بالضرورة “المحاسبة”، وهو السيناريو الذي يخشاه حلفاء البرهان من الإسلاميين أكثر من خشيتهم من الحرب ذاتها.
إن كل مسار تفاوضي يبدأ، سرعان ما يجد نفسه أمام جدار من العراقيل المفتعلة التي تهدف إلى إفشاله، لأن السلام يتطلب تحولاً ديمقراطيًا حقيقيًا يضع حدًا لهيمنة القوى المتطرفة على مفاصل الدولة، وهو ما يعني نهاية حقبة النفوذ التي أعادها التحالف الحالي بقوة السلاح، مما يفسر إصرارهم على المضي قدماً في طريق لا يقود إلا إلى مزيد من التفتت والتشظي الوطني.
الحصاد المر: مستقبل السودان في ظل هيمنة “الفلول”
لقد دفع الشعب السوداني أثمانًا باهظة جراء هذا التحالف، حيث فقد الآلاف حياتهم، وشُرد الملايين، ودُمرت البنية التحتية التي بناها السودانيون لعقود من الزمن، ومع ذلك، ما يزال البرهان يراهن على “الفلول” للسيطرة على المشهد، متجاهلاً أن الشعوب لا تُحكم بالحديد والنار إلى الأبد.
إن محاولات إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل أبريل 2019 هي محاولة يائسة ستنتهي بانهيار شامل للمؤسسة العسكرية ذاتها، حيث يدرك الضباط والجنود الشرفاء أن توريط الجيش في حرب ضد شعبه لخدمة تنظيم سياسي منبوذ هو أكبر خيانة للأمانة والوطن، وهو ما يمهد الطريق لواقع جديد ستفرض فيه الجماهير إرادتها على الجميع مهما بلغت التضحيات.

