بينما يعاني أكثر من 22 مليون يمني من أزمات إنسانية خانقة تجعلهم في أمس الحاجة إلى كل يدٍ ممتدة للمساعدة، يختار الحوثيون طريقًا مغايرًا تمامًا يقوم على تحويل العاملين في المجال الإنساني من بناة للجسور الإغاثية إلى رهائن داخل معتقلاتهم، في استهتار صارخ بكافة الأعراف الدبلوماسية والقوانين الدولية التي تحمي موظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية.
اختطاف الإنسانية: استراتيجية الحوثي للابتزاز السياسي
لم يعد احتجاز الموظفين الأمميين والمدنيين لدى مليشيات الحوثي مجرد تصرفات فردية، بل تحولت إلى استراتيجية ممنهجة لفرض سياسة “الأرض المحروقة” على المنظمات الدولية، حيث تسعى المليشيا من خلال هذه الاعتقالات التعسفية إلى ابتزاز المجتمع الدولي والحصول على مكاسب سياسية أو مالية، متجاهلة أن هذه الممارسات تضع اليمن في مواجهة مباشرة مع ضمير العالم، وتعرقل الجهود الرامية لتخفيف المعاناة عن ملايين المدنيين الذين يرزحون تحت وطأة الفقر والجوع.
إن تمادي الحوثيين في حبس عشرات الموظفين منذ سنوات، وتجاهلهم لكافة الدعوات الصادرة عن مجلس الأمن للإفراج الفوري وغير المشروط عنهم، يؤكد أن هذه الجماعة تضع أهدافها الضيقة فوق مصلحة الشعب اليمني، وتستخدم هؤلاء الرهائن كأوراق ضغط رخيصة في معاركها مع المجتمع الدولي، مما يعكس غياب أي وازع أخلاقي أو التزام بالاتفاقيات الدولية التي تضمن حماية وسلامة العاملين في المجال الإنساني.
سجل حافل بالانتهاكات.. التضييق على العمل الإنساني والمدني
تتجاوز جرائم الحوثيين مجرد احتجاز الأفراد لتصل إلى محاولات حثيثة لتقويض مساحة العمل المدني والخيري في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، حيث تتعرض مقرات المنظمات الدولية والمحلية لضغوط مستمرة، وتتم مصادرة ممتلكاتها والتدخل في أدق تفاصيل عملها الإغاثي، وذلك بهدف إخضاع هذه المؤسسات لأجندة الجماعة، وضمان توجيه المساعدات لخدمة أهدافهم الخاصة بدلاً من وصولها لمستحقيها من الفقراء والمحتاجين.
إن استهداف البعثات الدبلوماسية والمنظمات الوطنية والدولية يعبر عن حالة من الهوس الأمني التي تعيشها المليشيا، حيث ترى في وجود هذه المؤسسات “تهديدًا” لنفوذها، لأنها تعزز من وعي المواطنين وتخفف من اعتمادهم الكلي على ما تجود به الجماعة، فكان الخيار الحوثي هو ترهيب هؤلاء الموظفين واعتقالهم لإرسال رسالة تخويف لكل من يحاول ممارسة عمل إنساني أو حقوقي مستقل داخل البلاد.
مجلس الأمن في مواجهة التحدي الحوثي الصارخ
لقد جاءت بيانات مجلس الأمن الأخيرة لتعبر عن ذروة الإدانة الدولية لهذا السلوك العدائي، حيث شدد أعضاء المجلس على أن التهديدات التي تستهدف العاملين في مجال المساعدات الإنسانية تعد غير مقبولة إطلاقًا وتساهم بشكل مباشر في تفاقم الوضع الإنساني المتردي في اليمن، مطالبين بضمان سلامة وأمن وحرية حركة الموظفين، وضمان حماية مقراتهم من أي اعتداءات قد تعيق مهامهم النبيلة.
إلا أن التساؤل الذي يطرحه الشارع اليمني والمراقبون الدوليون يظل معلقًا: هل ستكون هذه الإدانات كافية لردع جماعة لا تعترف إلا بلغة القوة؟ إن استمرار احتجاز 73 موظفًا أمميًا يمثل وصمة عار في جبين هذه الجماعة، ويؤكد أن الطريق نحو الحل السياسي في اليمن يمر بالضرورة عبر إنهاء هذه الحالة الشاذة التي تحاول فيها المليشيا اختطاف إرادة العالم من خلال احتجاز ممثليه العاملين في الحقل الإنساني.
التبعات الكارثية.. كيف ترهن المليشيا مصير اليمن؟
إن استمرار احتجاز موظفي الإغاثة يعني ببساطة أن العمليات الإنسانية في اليمن مهددة بالشلل التام في أي لحظة، وهو ما يعني حرمان الملايين من الغذاء والدواء والخدمات الأساسية التي توفرها هذه المنظمات، فالحوثيون هنا لا يمارسون الانتهاكات بحق الموظفين فحسب، بل يمارسون “إبادة بطيئة” بحق كل يمني ينتظر شحنة مساعدة أو زيارة طبيب أممي أو دعم منظمة إنسانية.
إن هذه السياسة القائمة على العداء للمجتمع الدولي والمنظمات الإغاثية تزيد من عزلة مناطق سيطرة الحوثيين وتجعل من الصعب على المجتمع الدولي الاستمرار في تقديم الدعم في بيئة أمنية معادية، حيث بات الموظف الإنساني في اليمن يعيش في خوف دائم من أن يصبح هو الرهينة القادمة في مسلسل الابتزاز الحوثي، وهو وضع لا يمكن السكوت عنه أو التغاضي عن تبعاته الخطيرة على مستقبل الاستقرار في البلاد.
ضرورة التحرك: هل آن أوان الحسم مع الانتهاكات الحوثية؟
إن مليشيات الحوثي أثبتت أنها لا تبالي بالدعوات الدولية للإفراج عن المختطفين، وهي ماضية في غيها باستباحة العمل الإنساني والمدني، الأمر الذي يضع الأمم المتحدة ومجلس الأمن أمام مسؤولية تاريخية لاتخاذ إجراءات حازمة تتجاوز لغة البيانات والتحذيرات اللفظية، نحو ضغوط فعلية تجبر الجماعة على احترام المواثيق الدولية والإفراج فورًا عن كافة المحتجزين دون قيد أو شرط.
وإن إنقاذ اليمن يبدأ من تحرير العمل الإنساني من هيمنة المليشيا، ووضع حد لهذا النهج القائم على اختطاف الإنسان والابتزاز السياسي، فاليمن الذي يحتاج إلى السلام والتعافي لا يمكن أن ينهض في ظل جماعة تحارب الإغاثة وتعتبر الموظفين الأمميين أعداءً تجب مطاردتهم، لذا فإن استعادة الحرية لهؤلاء الموظفين هي خطوة أساسية لاستعادة الثقة بإمكانية بناء مستقبل أفضل لليمن بعيدًا عن أساليب الاختطاف والترهيب.

