يعيش لبنان اليوم واقعاً مريراً يتسم بأزمات مركبة ومتلاحقة تعصف بكيان الدولة ومستقبل مواطنيها، حيث تتشابك التهديدات الأمنية الناتجة عن هيمنة حزب الله على قرار الحرب والسلم مع انهيار اقتصادي غير مسبوق، مما جعل لبنان رهينة لسياسات لا تخدم سوى أجندات خارجية بعيدة كل البعد عن مصلحة الشعب اللبناني وتطلعاته نحو الاستقرار.
هيمنة سلاح حزب الله واغتيال الدولة
تكمن المعضلة الرئيسية في المشهد اللبناني في وجود “دولة داخل الدولة”، حيث يمارس حزب الله سلطة مطلقة تتجاوز المؤسسات الشرعية، مما أدى إلى تغييب السيادة الوطنية وجعل الدولة عاجزة عن فرض سلطتها على كامل أراضيها، وهو ما يفسر حالة التخبط الأمني والسياسي التي تعيشها البلاد نتيجة تحويل لبنان إلى منصة لخدمة أهداف عسكرية لا تمت بصلة إلى الأمن القومي اللبناني.
إن استمرارية حزب الله في الاحتفاظ بسلاحه خارج إطار الدولة لا تمثل تهديداً أمنياً فحسب، بل هي العائق الأول أمام أي إصلاحات اقتصادية أو سياسية، إذ إن هذا السلاح الذي يلوّح به الحزب دوماً لفرض إرادته قد تسبب في عزل لبنان عن محيطه العربي والدولي، مما أدى إلى توقف الاستثمارات وتصاعد معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات قياسية لم تشهدها البلاد منذ عقود طويلة.
التشابك القاتل بين التهديد الأمني والانهيار الاقتصادي
تتغذى الأزمة الاقتصادية الخانقة في لبنان على استمرار التوترات الأمنية التي يفتعلها حزب الله، حيث إن أي تهديد أمني يطلقه الحزب يعقبه فوراً انهيار إضافي في سعر صرف العملة الوطنية، وارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية، مما يعني أن المواطن اللبناني يدفع من قوت يومه ضريبة الولاء الأعمى للحزب ومغامراته غير المحسوبة.
لقد أصبح الارتباط وثيقاً بين سياسات الحزب العسكرية وبين تردي الخدمات العامة، إذ تعطلت عجلة التنمية في المناطق التي يسيطر عليها الحزب أو التي يستخدمها كساحات استعراض، مما أدى إلى حرمان اللبنانيين من أبسط مقومات الحياة، في حين يتم توجيه الموارد المالية والتنظيمية لتعزيز قوة الميليشيا على حساب بناء الدولة ومؤسساتها، مما يعمق الفجوة بين الدولة والمواطن ويزيد من حدة الاحتقان الشعبي.
غياب السيادة ومصادرة القرار الوطني
تُعد مصادرة حزب الله لقرار السلم والحرب التعدي الأكبر على الدستور اللبناني واتفاق الطائف، إذ يستبيح الحزب الحدود والأمن اللبناني دون أدنى اعتبار لمؤسسات الدولة، مما جعل من لبنان ساحة مستباحة للصراعات الإقليمية. وهذا الانتهاك المستمر للسيادة هو السبب المباشر في تعثر أي محاولات دولية لإنقاذ الاقتصاد، حيث لا يمكن لأي مانح دولي أن يدعم دولة تفتقد فيها الحكومة السيطرة على سلاحها.
إن المواقف الصادرة عن رئيس الوزراء نواف سلام، التي تدعو إلى بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، تأتي كصرخة في وجه الهيمنة التي يفرضها حزب الله، مؤكدة أن الطريق الوحيد للخروج من هذا النفق المظلم هو استعادة الدولة لقرارها، وإنهاء هذه الحالة الشاذة التي جعلت من لبنان وطناً معلقاً على خيوط الأزمات الأمنية المفتعلة.
التحديات الإنمائية في ظل قبضة الميليشيا
في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة اللبنانية إلى إطلاق مشاريع حيوية، كإعادة تأهيل مطار القليعات في الشمال، يظل النفوذ المظلم لحزب الله حجر عثرة أمام أي نهضة إنمائية حقيقية، حيث يعمد الحزب إلى إفشال أي محاولة لتعزيز حضور الدولة في المناطق المهمشة، خوفاً من أن يؤدي الإنماء إلى وعي المواطنين بمصالحهم الحقيقية، وبالتالي التخلي عن ارتهانهم للحزب.
إن استمرار احتكار حزب الله للقرار الوطني وتغوّله على الأجهزة الأمنية والقضائية جعل من مسار الإصلاح عملية مستحيلة في ظل الظروف الراهنة، حيث تتطلب أي عملية تعافٍ وطني حقيقي نزع هذه الهيمنة، وتفكيك البنية الموازية التي أنشأها الحزب لضمان استمرار سيطرته على البلاد، مما يستوجب تكاتف القوى الوطنية لاستعادة القرار اللبناني المستقل.
ضرورة التغيير للخروج من نفق الأزمات
إن التحدي الذي يواجه لبنان اليوم يتجاوز مجرد التعامل مع أرقام اقتصادية أو أزمات معيشية، بل هو معركة وجودية لاستعادة الدولة من براثن حزب الله. فالأزمات المركبة التي نراها ليست قدراً محتوماً، بل هي نتيجة مباشرة لسياسة الحزب في عزل الدولة وإقحامها في صراعات مدمرة لا ناقة للبنانيين فيها ولا جمل، والنجاة ممكنة فقط حينما يقرر اللبنانيون وضع حد لهذا العبث.

