ذات صلة

جمع

الدولة المختطفة.. كيف فرض حزب الله أجندته الخاصة وجرّ البلاد إلى محرقة عسكرية؟

تتجاوز أزمة السيادة في لبنان كونها مجرد انقسام سياسي،...

شلل في شرايين النفط.. كيف تحولت الطائرات المسيرة إلى سلاح أوكرانيا الاستراتيجي لردع موسكو؟

شهدت الآونة الأخيرة تحولًا جذريًا وعميقًا في الاستراتيجية العسكرية...

مقترح أميركي لاحتواء التصعيد في لبنان.. مساعٍ دبلوماسية تواجه اختبار الميدان

تسابق الولايات المتحدة الزمن لمنع انزلاق الأوضاع على الحدود...

الحرس الثوري يلوح برد أقوى.. الضربات المتبادلة تعيد الأزمة إلى الواجهة

تشهد الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران منعطفًا جديدًا مع...

الدولة المختطفة.. كيف فرض حزب الله أجندته الخاصة وجرّ البلاد إلى محرقة عسكرية؟

تتجاوز أزمة السيادة في لبنان كونها مجرد انقسام سياسي، لتكشف عن خلل بنيوي عميق سببه فرض “أجندة موازية” فوق إرادة الدولة الوطنية ومؤسساتها الدستورية.

إن محاولة حزب الله الهيمنة على مقدرات الوطن وتجيير قراراته العسكرية لخدمة رؤيته الأحادية، وضعت البلاد في مواجهة غير متكافئة مع تحديات لا ناقة للبنان فيها ولا جمل، مما أدى إلى تآكل مفهوم الدولة وفقدانها السيطرة على أهم مقومات وجودها، وهو القرار السيادي المستقل.

وتشير الحقائق الميدانية والتحليلات السياسية إلى أن حزب الله نجح، عبر سنوات طويلة، في بناء منظومة أمنية وعسكرية تتجاوز في نفوذها وقدراتها الأجهزة الرسمية للدولة اللبنانية، مما خلق حالة من الانقسام الحاد داخل المجتمع اللبناني بين مؤيد لهذا السلاح كأداة نفوذ، وبين شريحة واسعة تعتبره المعوق الأول لقيام الدولة ومصادرةً لقرارها السيادي.

وتسببت هذه السطوة في إضعاف المؤسسات الوطنية، حيث باتت القرارات المصيرية المتعلقة بحدود البلاد وأمنها القومي تصدر من غرف مظلمة بعيدًا عن أعين البرلمان أو سلطة مجلس الوزراء، مما حول لبنان إلى ساحة صراع مستباحة لخدمة أجندات حزب الله العقائدية.

البنية التحتية في مهب الرياح العسكرية

لقد أدى انفراد حزب الله بقرار إشعال جبهة “المشاغلة” في الجنوب اللبناني إلى نتائج كارثية لم تقتصر فقط على تدمير الممتلكات والمنازل، بل امتدت لتطال كافة شرايين الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المناطق الجنوبية، التي تحولت إلى ساحة معارك مستمرة تفتقر إلى أدنى مقومات الأمان.

ويعاني المواطنون في تلك المناطق من حالة نزوح قسري لم يسبق لها مثيل، حيث فقدت آلاف الأسر مصادر رزقها ومساكنها في صراع دمر البنية التحتية الهشة أصلًا، والتي كانت تعاني أصلًا من سنوات طويلة من الإهمال والانهيار المالي.

ويرى الخبراء الاقتصاديون أن استمرار سياسة ربط مصير الجنوب اللبناني بقرار حزب الله العسكري يمثل استنزافًا طويلًا وممنهجًا لمقدرات الدولة، التي تعاني أصلًا من أزمة مالية خانقة أفقدت العملة الوطنية قيمتها وأدت إلى هجرة جماعية للشباب والكفاءات.

إن الدمار الذي لحق بشبكات الكهرباء والمياه والطرقات في قرى الجنوب يعكس حجم الاستهتار بمصالح اللبنانيين، حيث يتم تقديم “الضرورات التنظيمية” لحزب الله على حساب حق المواطن في العيش بسلام واستقرار، مما يعزز القناعة بأن الدولة اللبنانية أصبحت رهينة لمغامرات غير محسوبة لا تؤدي إلا إلى المزيد من التدهور.

صدمة الشارع وتآكل الحاضنة الشعبية

ولم تعد سياسة حزب الله الانفرادية قادرة على تمرير رواياتها السابقة لدى الشارع اللبناني، حيث بدأت الأصوات المعارضة والرافضة لسياسات “الاستيلاء على القرار الوطني” تتعالى حتى من داخل البيئة الحاضنة التي كانت تعتبر نفسها يومًا ما ظهيرًا لا ينكسر للحزب.

وتعكس حالة التململ الشعبي التي نراها في القرى الجنوبية والمدن الكبرى رفضًا قاطعًا لسياسة “تغييب الدولة”، حيث يشعر اللبنانيون أن حزب الله قد صادر حقهم في تقرير المصير، وحول بلادهم إلى ساحة مستباحة لتصفية الحسابات التي لا تمت للواقع اللبناني المتأزم بأي صلة منطقية.

إن التساؤلات المشروعة التي يطرحها اليوم أهالي القرى المدمرة حول الجدوى الحقيقية لهذا القتال، وعن مصير جيل كامل فقد أمانه ومدخراته، تعبر عن شرخ عميق أصاب الرابطة بين الحزب وقاعدته الشعبية التي بدأت تدرك أنها كانت مجرد ورقة في صراعات لا تنتهي.

ومع استمرار سياسة “الهروب إلى الأمام” التي ينتهجها حزب الله، يزداد التخوف من أن تؤدي هذه المحرقة العسكرية إلى تقويض أسس التعايش الوطني، مما يضع مستقبل لبنان على محك الوجود في ظل دولة تحاول جاهدة أن تستعيد شرعيتها في وجه سلاح صادر إرادتها.

تآكل السيادة وفقدان الشرعية الوطنية

تتجلى خطورة السلاح المنفرد لحزب الله في كونه لم يعد مجرد أداة ردع أو دفاع كما كان يُروَّج له في خطابات التعبئة، بل تحول بوضوح إلى أداة ترهيب تُستخدم لفرض التوازنات السياسية الداخلية وتكميم الأفواه الرافضة لسياسات الهيمنة.

إن مصادرة القرار الوطني تسببت في عزل لبنان دوليًا وعربيًا، حيث بات يُنظر إلى المؤسسات الرسمية اللبنانية على أنها واجهة لا تملك من أمرها شيئًا، في حين أن السلطة الفعلية والقوة التقريرية تتركز في أيدي القادة العسكريين لحزب الله، مما يمنع قيام أي إصلاح حقيقي يطمح إليه اللبنانيون.

ويشدد المراقبون على أن استعادة الدولة اللبنانية لعافيتها واستقلاليتها تمر حتمًا عبر حصر السلاح في يد الجيش الوطني، وهو المطلب الذي يواجهه حزب الله بكل قوته لمنع تحوله إلى طرف طبيعي ضمن المعادلة الوطنية بدلًا من كونه “الدولة فوق الدولة”.

إن هذا التحدي الوجودي هو ما يفسر تعثر أي محاولات لإنقاذ لبنان من أزماته؛ فالمشكلة ليست فقط في انهيار الاقتصاد، بل في انهيار الهيكل الأساسي للسيادة الذي دمره حزب الله عبر سنوات من الانفراد بالسلطة، مما جعل من لبنان وطنًا ممزقًا يسير نحو المجهول.

نحو استعادة الدولة والمستقبل

إن المرحلة القادمة تفرض على كافة القوى الوطنية اللبنانية، التي لا تزال تؤمن بشرعية الدولة وضرورة الحفاظ على المؤسسات، أن ترفع صوتها عاليًا للمطالبة بإنهاء “محرقة القرار الانفرادي” التي يفرضها حزب الله.

إن الخروج من هذه الأزمة يتطلب شجاعة أدبية وسياسية لتسمية الأمور بمسمياتها، والاعتراف بأن استمرار هذه الحالة لن يؤدي إلا إلى المزيد من الدمار وضياع ما تبقى من هوية الدولة اللبنانية، التي باتت مهددة بالزوال بفعل سياسات الحزب التي لا تعرف الحدود ولا تحترم القوانين الدولية والمحلية.

ويبقى اللبنانيون اليوم أمام خيار تاريخي بين الرضوخ لسياسة “الدولة المختطفة” التي يفرضها حزب الله، وبين نضال مستمر لاستعادة السيادة وبناء دولة تحترم إرادة مواطنيها وتلتزم بقرارها الوطني المستقل بعيدًا عن أهواء الجماعات العسكرية. وإن استعادة لبنان لمكانته الطبيعية ومستقبله الواعد تعتمد بشكل كلي على قدرة شعبه على تحويل الغضب الشعبي إلى قوة ضاغطة لإنهاء هذه الحالة الشاذة، مما يمهد الطريق لإعادة بناء الوطن على أسس متينة من المواطنة والديمقراطية وسيادة القانون التي غيبها السلاح لسنوات طويلة.