ذات صلة

جمع

جيش بورتسودان وحلفاء الأمس.. كيف ارتهن البرهان لمطامع الحركة الإسلامية؟

يمثل المشهد السوداني اليوم تجسيداً مأساوياً لسياسات استعلائية انتهجتها...

أزمة الجبهات المتناحرة.. كيف تدك الانقسامات جدار تنظيم الإخوان من الداخل؟

لم يهدأ الصراع على النفوذ والمصالح داخل جماعة الإخوان...

رسائل خلف الأبواب المغلقة.. تحركات باكستانية تعزز دور الوساطة بين واشنطن وطهران

تشهد الساحة الإقليمية حراكًا دبلوماسيًا متزايدًا يعكس محاولات مكثفة...

الأصول الإيرانية المجمدة في دائرة الجدل.. واشنطن تبحث توظيفها لإعادة إعمار حلفائها

تتجه الأنظار إلى ملف الأصول الإيرانية المجمدة مجددًا، بعدما...

جيش بورتسودان وحلفاء الأمس.. كيف ارتهن البرهان لمطامع الحركة الإسلامية؟

يمثل المشهد السوداني اليوم تجسيداً مأساوياً لسياسات استعلائية انتهجتها سلطة بورتسودان بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان، حيث اختارت القيادة العسكرية الحرب خياراً وحيداً للحفاظ على نفوذها، ضاربةً عرض الحائط بكل دعوات السلام والتحول المدني التي نادى بها الشعب السوداني، مما أدى إلى انزلاق البلاد نحو حالة من الفوضى والدمار الشامل.

انقلاب أكتوبر كبداية لخارطة طريق الحرب

بدأت بوادر إفشال المسار المدني منذ انقلاب أكتوبر 2021، الذي نفذته قيادة الجيش لتقويض حكومة الفترة الانتقالية، حيث أدرك البرهان آنذاك أن استعادة المسار الديمقراطي تعني حتماً خروج المؤسسة العسكرية من المشهد السياسي، وهو الأمر الذي لا يتوافق مع مطامع جنرالات بورتسودان الذين رأوا في السلطة وسيلة لحماية مصالحهم الشخصية والتنظيمية.

ومنذ ذلك التاريخ، دأبت سلطة بورتسودان على اختلاق الأزمات وتغذية التوترات لتبرير بقائها في سدة الحكم، متجاهلةً تماماً مطالب الجماهير في بناء دولة مدنية تحترم القانون وتنهي عقوداً من سيطرة العسكر على مقدرات الدولة، مما جعل من خيار الحرب ليس مجرد حدث عارض، بل استراتيجية ممنهجة لعرقلة أي محاولة لإنشاء سلطة مدنية كاملة الصلاحيات.

تحالفات بورتسودان: ارتهان للحركة الإسلامية

تؤكد الوقائع الميدانية والسياسية أن سلطة بورتسودان قد ارتهنت بالكامل لأجندات الحركة الإسلامية وفلول النظام السابق، الذين وجدوا في قيادة الجيش الحالية أداة مثالية لاستعادة أمجادهم المفقودة، حيث عمل هؤلاء على دفع الجنرال البرهان نحو اتخاذ مواقف متصلبة ترفض الحوار وتدفع نحو التصعيد العسكري لحماية مكتسباتهم الضيقة.

إن هذا التحالف غير المقدس بين قيادة الجيش السوداني وأذرع النظام السابق قد حوّل بورتسودان إلى مركز لإدارة الحرب، حيث يتم اتخاذ القرارات من قبل غرف مغلقة لا تضع في أولوياتها سوى الحفاظ على استمرارية هيمنة العسكر، مما أدى إلى تهميش كامل للقوى المدنية واستبعادها من أي تسوية سياسية من شأنها أن تنقل البلاد إلى مرحلة التوافق والبناء.

عرقلة المبادرات الدولية وإطالة أمد الصراع

لقد أثبتت التجربة أن سلطة بورتسودان تتعمد عرقلة كافة المبادرات الدولية الرامية إلى السلام، حيث تتبنى تكتيكات المماطلة والرفض الصريح لأي هدنة إنسانية حقيقية، خوفاً من أن يؤدي توقف المدافع إلى انكشاف هشاشة وضعها السياسي على الأرض، إذ يراهن الجيش على حسم الصراع عسكرياً رغم استحالة ذلك ميدانياً.

وتفضل قيادة بورتسودان بقاء السودان في حالة حرب على أن تسمح ببدء عملية سياسية شاملة تستبعد أطراف الحرب من السلطة، وذلك لأن أي عملية انتقالية حقيقية ستكشف التجاوزات التي ارتكبتها المؤسسة العسكرية، وستضعها أمام مساءلة تاريخية وقانونية عما اقترفته أيديها من تدمير للبنية التحتية والمؤسسات المدنية في البلاد.

استغلال المؤسسة العسكرية لتحقيق طموحات البرهان

تحولت المؤسسة العسكرية في السودان، تحت قيادة البرهان، من جهة حامية للحدود إلى طرف في صراع سياسي داخلي، حيث يتم استخدام موارد الجيش وإمكانياته لخدمة أجندة شخصية ضيقة، متجاهلين أن هذا الاستنزاف قد أضعف القدرات القتالية للمؤسسة نفسها، وأدخلها في مواجهات مفتوحة مع أطراف متعددة، مما يهدد وحدة التراب السوداني ككل.

إن رفض السلطة في بورتسودان لأي دور للقوى المدنية في إدارة الفترة الانتقالية يكشف بوضوح أن المشكلة لا تكمن في طبيعة الصراع المسلح بقدر ما تكمن في رفض قيادة الجيش التنازل عن السلطة، وهو ما يعزز القناعة بأن إفشال المسار المدني كان قراراً مدروساً اتخذه العسكر لمنع قيام دولة ديمقراطية لا مكان فيها للانقلابات.

مستقبل السودان في ظل سلطة بورتسودان

لا يمكن الحديث عن حل سياسي طالما أن قرار السلم والحرب لا يزال بيد هذه السلطة الانقلابية، فالمسار المدني الذي ينشده السودانيون يتطلب، في المقام الأول، خروج الجيش من السياسة وتفكيك الميليشيات الواجهة التي تدعم حكم البرهان، حيث لا يمكن بناء وطن على أنقاض التدمير الممنهج الذي تمارسه بورتسودان اليوم بحق شعبها.

وسيظل التاريخ يسجل أن اختيار الحرب في السودان لم يكن دفاعاً عن الوطن، بل كان دفاعاً عن كراسي السلطة ومطامع جنرالات بورتسودان، الذين فضلوا رؤية البلاد تحترق على أن يتخلوا عن امتيازاتهم، مما يضع السودان أمام مرحلة مفصلية تتطلب وقفة وطنية لاستعادة الدولة من هذا الاختطاف الذي تفرضه القيادة العسكرية وحلفاؤها من قوى النظام السابق.