ذات صلة

جمع

كيف تقود فرنسا المبادرات البرلمانية لإنهاء نفوذ الإسلام السياسي؟

لم يعد الصراع الأوروبي مع تنظيم الإخوان المسلمين مجرد...

الضربة القاصمة.. لماذا تُعد أحكام القضاء القادمة بمثابة النهاية القانونية لإخوان تونس؟

تواجه حركة النهضة التونسية، الذراع السياسي لتنظيم الإخوان المسلمين...

اقتصاد الدعامة الواحدة.. كيف تحول النفط إلى نقطة ضعف استراتيجية للعراق؟

تقدم أزمة الطاقة العنيفة التي تضرب العراق بالتزامن مع...

اليمن بين التعقيدات السياسية والتصعيد الميداني

تواصل الأزمة اليمنية إلقاء بظلالها الثقيلة على المشهد الإقليمي،...

تحت خط الفقر المائي.. كيف يواجه المواطن الليبي أزمة الجفاف والملوحة بجالونات التخزين؟

تحولت أزمة المياه في ليبيا من مجرد هاجس بيئي إلى مهدد حقيقي يضرب عمق الأمن القومي المعيشي, حيث بات مشهد اصطفاف المواطنين لشراء صهاريج المياه واعتماد الأسر على جالونات التخزين وزجاجات المياه المعبأة واقعًا يوميًا معتادًا لا يمكن الفكاك منه في معظم المنازل والمدن الليبية.

ورغم الثروة النفطية الهائلة التي تمتلكها البلاد, تواجه ليبيا اليوم ما يصفه الخبراء والمتخصصون بـ “العطش الصامت”, وهو خطر داهم يتشكل ملامحه في ظل مؤشرات مرعبة تؤكد أن حصة الفرد الليبي من المياه المتجددة تراجعت لتصل إلى أقل من 120 مترًا مكعبًا سنويًا, وهو معدل يقل بكثير عن حد الفقر المائي العالمي المحدد بـ 500 متر مكعب.

هذا التدهور المتسارع ليس ناتجًا فقط عن الظروف المناخية القاسية، بل يعود بشكل أساسي إلى الاستنزاف الجائر وغير المدروس للموارد الجوفية المحدودة, والاعتماد المفرط على منظومة النهر الاصطناعي, إلى جانب التحدي الأكبر المتمثل في استهلاك القطاع الزراعي للنسبة الساحقة من هذه الثروة الناضبة في ظل بنية تحتية وشبكات ري متهالكة تمامًا تعاني من الإهمال والإنهاك نتيجة سنوات طويلة من الانقسام السياسي والمؤسسي.

نزيف الموارد الجوفية وهدر القطاع الزراعي للثروة المائية الناضبة

تضع الأرقام والتقديرات الرسمية الصادرة عن الهيئات والمجالس الوطنية للتطوير الاقتصادي والاجتماعي في ليبيا الجميع أمام مسؤولية تاريخية, حيث يستهلك القطاع الزراعي وحده ما يقارب 85 في المائة من إجمالي الموارد المائية المتاحة في البلاد.

هذا الاستهلاك الضخم لا يعكس نهضة زراعية إنتاجية بقدر ما يمثل نزيفًا حقيقيًا وهدرًا مستمرًا للثروة المائية, إذ تشير التقارير إلى أن أكثر من نصف هذه الكميات المخصصة للزراعة تضيع وتتبخر بفعل تهالك شبكات الري التقليدية وضعف كفاءة المعدات المستخدمة، بالإضافة إلى الاعتماد المستمر على طرق ري قديمة وغير مرشدة.

هذا الهدر الزراعي يتزامن مع توسع عشوائي في عمليات حفر الآبار الجوفية غير المرخصة من قبل المزارعين في مختلف المناطق, مما أدى إلى هبوط حاد في مستويات المياه الجوفية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الساحلية, الأمر الذي رفع من نسب الملوحة وجعل مياه الصنبور في الكثير من الأحياء والمدن غير صالحة للشرب أو الطهي.

ولم يتوقف هذا التدهور عند حدود الآبار العشوائية, بل امتدت يد الاعتداءات والوصلات غير القانونية إلى خطوط ومنظومة النهر الاصطناعي التي صُممت أساسًا لنقل المياه العذبة من عمق الصحراء في الجنوب إلى مدن الشمال المكتظة بالسكان.

وتكشف البيانات الميدانية، أن هذه التعديات المستمرة لغرض ري المزارع الخاصة دون موافقات رسمية تسببت في فقدان وضياع أكثر من 30 في المائة من المياه المتدفقة داخل شبكات المدن الرئيسية، وهو ما يحرم آلاف الأسر من وصول الإمدادات بشكل عادل وآمن.

إن استمرار هذا النمط من الاستهلاك الجائر والاعتداء على المنظومات السيادية, في ظل غياب الرقابة الفاعلة والردع القانوني بسبب انشغال القوى المختلفة بالصراع على السلطة والموارد, يضع البلاد أمام سيناريو كارثي يهدد بجفاف الخزانات الجوفية الاستراتيجية خلال السنوات القليلة المقبلة، ويفاقم من حدة التحديات الاندماجية والمعيشية التي يكتوي بنارها المواطن الليبي بشكل يومي.

التغيرات المناخية والانقسام الحكومي يعمقان معضلة الأمن المائي

لا يمكن فصل تفاقم أزمة المياه في ليبيا عن تداعيات التغيرات المناخية العالمية التي ألقت بظلالها الثقيلة على منطقة شمال أفريقيا برمتها, حيث تعاني البلاد من تراجع حاد وملحوظ في معدلات هطول الأمطار السنوية, يقابله ارتفاع قياسي في درجات الحرارة وزيادة كبيرة في نسب التبخر وموجات الجفاف الزاحف.

هذه العوامل البيئية الضاغطة قلصت من فرص تغذية الخزانات المائية الطبيعية, وجعلت من خطط الاستدامة أمرًا معقدًا للغاية يتطلب استقرارًا سياسيًا ومؤسساتيًا مفقودًا في الواقع الليبي الراهن، فالبلاد تعيش منذ سنوات انقسامًا سياسيًا وتنفيذيًا حادًا بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وحكومة الاستقرار المكلفة من البرلمان في شرق البلاد والجنوب, وهو ما خلق حالة من التنازع على إدارة الموارد والملفات السيادية, وجعل المشروعات الكبرى المرتبطة بالبنية التحتية للمياه، مثل محطات تحلية مياه البحر وشبكات الصرف الصحي والكهرباء المغذية لها، رهينة للمناكفات والتجاذبات السياسية وتبادل الاتهامات بين الأطراف المتنافسة.

ورغم قيام حكومة طرابلس بإطلاق “الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي 2026 – 2050” كإطار عمل شامل يهدف إلى تنويع مصادر الإمداد والتوجه نحو التوسع في مشروعات التحلية مستفيدة من الساحل الليبي الممتد على البحر الأبيض المتوسط, إلا أن هذه الخطوة واجهت تشكيكًا كبيرًا من قِبل أعضاء المجلس الأعلى للدولة والمعارضين الذين وصفوا هذه الخطط بالطرح الإعلامي والدعائي الذي يصطدم بواقع التشرذم المؤسسي.

وترى مصادر، أن غياب سلطة تنفيذية موحدة قادرة على بسط سيطرتها وتنفيذ المشروعات بعيدة المدى يجعل من تطبيق مثل هذه الاستراتيجيات أمرًا شبه مستحيل، خاصة وأن معالجة أزمة المياه تقتصر حاليًا على المسكنات المؤقتة والحلول العاجلة، كالتفاوض مع المجموعات المحلية أو المسلحة عند إغلاق المحابس وضخ المياه، بدلاً من صياغة حلول جذرية تنهي عهد “تجارة المياه” والاعتماد الباهظ للأسر على شراء صهاريج المياه والعبوات البلاستيكية المعبأة.