ذات صلة

جمع

كيف تقود فرنسا المبادرات البرلمانية لإنهاء نفوذ الإسلام السياسي؟

لم يعد الصراع الأوروبي مع تنظيم الإخوان المسلمين مجرد...

الضربة القاصمة.. لماذا تُعد أحكام القضاء القادمة بمثابة النهاية القانونية لإخوان تونس؟

تواجه حركة النهضة التونسية، الذراع السياسي لتنظيم الإخوان المسلمين...

اقتصاد الدعامة الواحدة.. كيف تحول النفط إلى نقطة ضعف استراتيجية للعراق؟

تقدم أزمة الطاقة العنيفة التي تضرب العراق بالتزامن مع...

اليمن بين التعقيدات السياسية والتصعيد الميداني

تواصل الأزمة اليمنية إلقاء بظلالها الثقيلة على المشهد الإقليمي،...

اقتصاد الدعامة الواحدة.. كيف تحول النفط إلى نقطة ضعف استراتيجية للعراق؟

تقدم أزمة الطاقة العنيفة التي تضرب العراق بالتزامن مع دخول فصل الصيف اللاهب درسًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا بالغ الوضوح، مفاده أن الدول التي تتكئ على مصدر وحيد للدخل تظل هشة ومعرضة للاهتزاز والكسر أمام أي صدمة خارجية مهما بلغت ثرواتها الطبيعية المخزونة تحت الأرض.

فالعراق الذي يصنف كأحد أغنى دول العالم بالثروة النفطية، يجد نفسه اليوم وجهاً لوجه أمام أزمة كهرباء خانقة وغير مسبوقة تهدد بشلل تام في الحياة العامة واشتعال اضطرابات شعبية عارمة بفعل النقص الحاد في ساعات تجهيز الطاقة، في وقت تتجاوز فيه درجات الحرارة حاجز الـ 45 مئوية.

هذه المعضلة المتفاقمة لم تعد مجرد خلل فني في شبكات التوزيع، بل هي انعكاس مباشر لانكشاف الهشاشة البنيوية للاقتصاد العراقي الذي تدار موازنته بنسبة تزيد على 90% من الصادرات النفطية، والتي تعرضت لضربة قاصمة إثر التوترات الإقليمية الأخيرة وإغلاق مضيق هرمز، مما تسبب في إغلاق معظم الحقول النفطية وتوقف الإمدادات الحيوية من الغاز المستورد المشغل لمحطات التوليد.

صدمة مضيق هرمز وانكشاف الهشاشة الهيكلية للموازنة النفطية

كشفت التطورات الجيوسياسية الأخيرة، المتمثلة في إغلاق مضيق هرمز وتوقف معظم صادرات النفط العراقية، عن المأزق التاريخي الذي حوصرت فيه البلاد نتيجة الفشل المزمن في تنويع مصادر الدخل القومي والاعتماد الكامل على ريع النفط لتمويل النفقات الحكومية ورواتب القطاع العام الضخم.

ووفقًا للتقارير والتحليلات الدولية الصادرة عن “فاينانشال تايمز”، فإن إنتاج النفط العراقي تراجع بشكل حاد ليصل إلى نحو ربع مستوياته الطبيعية، مما اضطر الحكومة إلى اتخاذ قرارات قاسية بإغلاق أغلب الحقول النفطية لعدم القدرة على التصدير أو التخزين، وهو ما أصاب الموازنة العامة بشلل شبه كامل.

هذا الانكشاف المالي السريع يثبت أن حجم الثروة لا يضمن الحماية للدول، بل إن المرونة الاقتصادية والقدرة على امتصاص الصدمات تقاس بمدى تعدد القطاعات الإنتاجية غير النفطية كالنعاش الصناعي، والتجاري، والخدمات المالية، والطاقة المتجددة، وهي الملفات التي ظلت مهملة لعقود طوال في أروقة القرار البغدادية.

ولا تتوقف حدود الأزمة عند الجانب المالي، بل تمتد لتضرب قطاع الطاقة في الصميم لتكشف عن مفارقة بنيوية صارخة؛ فالعراق، رغم كونه أحد أكبر المنتجين للنفط في منظمة “أوبك”، يعاني من عجز دائم في تأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء المحلية.

هذا الخلل يعود إلى استمرار حرق وجرف كميات هائلة من الغاز المصاحب لعمليات استخراج النفط بدلاً من استثماره وتسييله محليًا، والاعتماد بدلاً من ذلك على استيراد نحو ثلث احتياجات الطاقة الكهربائية والغاز من إيران.

هذا الترتيب الاستراتيجي غير المتوازن تحول في لحظة الصراع إلى نقطة ضعف قاتلة، حيث توقفت إمدادات الغاز بالكامل عقب تعرض المنشآت النفطية الإقليمية للقصف، لتتراجع الكميات الواصلة للعراق إلى نحو 15 مليون متر مكعب يومياً فقط، مقارنة بالحد الأدنى المطلوب لتشغيل المحطات والذي يتجاوز الـ 50 مليون متر مكعب.

لغز حرق الغاز المصاحب وغياب الحوافز السياسية لخطط الإصلاح

أمام هذا النقص الحاد في إمدادات الغاز المستورد وشح الغاز المحلي الناتج عن إغلاق الحقول النفطية، وجدت وزارة الكهرباء العراقية نفسها مضطرة للجوء إلى خيارات بيئية واقتصادية مكلفة للغاية، تمثلت في حرق النفط الخام الثقيل لتوليد الحد الأدنى من الطاقة الكهربائية، وهي خطوة تسرع من تهالك التوربينات والمحطات وتزيد من نسب التلوث التشغيلي.

ويرى خبراء ومحللون، من بينهم متخصصون في معهد “تشاتام هاوس”، أن جذور أزمة الكهرباء في العراق هي أعمق بكثير من الصدمات الحربية الراهنة، بل ترتبط بغياب الحوافز والسياسات الجادة لإصلاح المنظومة من الداخل.

فقد تحولت قطاعات الطاقة والوزارات الخدمية على مدى السنوات الماضية إلى أدوات للمحاصصة والتربح السياسي والحزبي، وجعلت من الدعم الحكومي غير الموجه للكهرباء سببًا رئيسيًا في رفع مستويات الطلب السنوي بوتيرة تفوق بكثير القدرات التصميمية للنظام والشبكات المتاحة.

وفي سياق متصل، يدفع العراق اليوم ثمن إخفاقه في بناء شراكات ربط إقليمية فعالة وتأخر مشروع ربط شبكته الكهربائية بمنظومة دول مجلس التعاون الخليجي، وهو المشروع الذي كان كفيلاً في مثل هذه الأوقات الحرجة بتوفير بدائل طاقوية فورية تضمن مرونة التجهيز وتخفف من حدة التبعية لمورد إقليمي وحيد.

إن اجتماع غياب التنويع الاقتصادي مع تعثر الإصلاح التشريعي وترك الاقتصاد قائمًا على دعامة ريعية واحدة، جعل بنية الدولة مهددة بالانهيار السريع أمام الأزمات المجاورة، ووضع الحكومة التونسية الجديدة أمام اختبارات قاسية لعل أبرزها صعوبة إعادة تشغيل الحقول المغلقة التي تتطلب كلفًا مالية وتكنولوجية وفترات زمنية طويلة، إلى جانب البحث عن قروض خارجية لتغطية العجز المالي المتعاظم وتفادي ثورة الجياع والاحتجاجات الشعبية.

حكومة علي الزيدي وتحدي الموازنة ومخاطر الاضطرابات الشعبية

تضع هذه التطورات المتسارعة رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، الذي تولى مهامه الدستورية مؤخرًا بعد أشهر من الانسداد والترقب السياسي، أمام فوهة بركان اقتصادي واجتماعي لا يرحم.

فالحكومة الجديدة تجد نفسها مكبلة بأزمة موازنة خانقة تهدد بشكل مباشر القدرة المالية على دفع رواتب موظفي القطاع العام والمتقاعدين والركائز الرعائية التي يعتمد عليها ملايين العراقيين في تسيير حياتهم، بالتزامن مع تراجع ساعات التجهيز الكهربائي لدرجات دنيا تؤسس لانفجار الشارع.

والتاريخ القريب يشير بوضوح إلى أن انقطاع التيار الكهربائي في ذروة حر الصيف كان دائماً الفتيل والمحرك الأساسي لأكبر الموجات الاحتجاجية والاضطرابات الشعبية التي شهدتها البلاد، كما حدث في صيف عام 2021، وهو السيناريو الذي يبدو اليوم أقرب من أي وقت مضى إذا لم تتوقف تداعيات الحرب وتتحرك سلاسل الإمداد.

إن الدرس الحاسم الذي تطرحه الأزمة العراقية الحالية يتجاوز جغرافية بغداد ليعيد التذكير بالقاعدة الذهبية في علم الاقتصاد السياسي؛ وهي أن متانة الدول وقدرتها على الصمود أمام العواصف والحروب الجيوسياسية لا تقاس بحجم الثروات الطبيعية والمخزونات النفطية الكامنة في باطن أرضها، بل تقاس بمدى مرونة وتنوع اقتصادها وتعدد مصادر طاقتها وأسواق تصديرها.

وطالما بقي العراق أسيرًا لاقتصاد الدعامة النفطية الواحدة المهددة بالكسر، فإن أي اضطراب في مضيق هرمز أو توقف في إمدادات الغاز الخارجي سيظل كفيلاً بإدخال البلاد في نفق مظلم من الأزمات المالية والأمنية التي يصعب الخروج منها دون إصلاحات هيكلية جذرية ومؤلمة تعيد بناء الدولة على أسس قطاعية وإنتاجية مستدامة.