ذات صلة

جمع

مسار العزلة.. كيف يقود البرهان السودان إلى عزلة دولية دائمة بسبب تحالفات الحرب؟

في مشهد سياسي وعسكري معقد يشهده السودان، يتجه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان نحو عزلة دولية خانقة، مدفوعًا بقرارات استراتيجية أثارت حفيظة العواصم الغربية والمجتمع الدولي، فبدلاً من السعي نحو استعادة الدولة وتثبيت أركان السلم الأهلي، اختار البرهان مسارًا يعتمد بشكل مباشر على الكتائب الإسلامية المتشددة، محولاً الصراع العسكري من قضية وطنية إلى وسيلة لتمكين تيار سياسي محدد، وهو ما يضع البلاد أمام مخاطر الانقسام التام وضياع فرص التسوية السياسية التي يحتاجها الشعب السوداني بشدة.

لقد كشفت الحرب المستمرة منذ عام 2023 عن وجود فجوة كبيرة بين تطلعات السودانيين في الحرية والاستقرار وبين التوجهات التي يفرضها الواقع العسكري في بورتسودان، حيث بات الاعتماد على لواء “البراء بن مالك” وغيره من المليشيات المرتبطة بالإخوان المسلمين، بمثابة شهادة وفاة لأي آمال في استعادة الديمقراطية.

هذا الارتهان للماضي البائد لم يجلب للجيش السوداني الحسم العسكري الموعود، بل على العكس تمامًا، فقد حول المؤسسة العسكرية إلى مجرد أداة لتنفيذ أجندات تيار سياسي لفظه الشعب، مما جعل السلطة الحالية في بورتسودان تبدو وكأنها سلطة حزبية تعيش في عزلة عن محيطها الشعبي والدولي.

ارتهان السيادة الوطنية للتحالفات الإقليمية المشبوهة

لم يكتفِ البرهان بالاعتماد على الداخل، بل فتح الباب لنفوذ إيراني متزايد يثير قلق المجتمع الدولي، خاصة مع ورود تقارير استخباراتية تشير إلى وصول طائرات مسيرة وذخائر إيرانية إلى يد القوات الموالية لبورتسودان.

إن هذا التحول في التحالفات يمثل خطرًا استراتيجيًا يهدد الأمن القومي السوداني ويضع البحر الأحمر في قلب الصراعات الدولية، حيث يرى مراقبون أن تحركات البرهان في هذا الاتجاه تعكس تخبطًا سياسيًا يبحث عن “طوق نجاة” خارجي دون اعتبار للتبعات القانونية والسياسية التي قد تفرضها واشنطن أو القوى الدولية الكبرى التي ترفض أي تمدد لنفوذ طهران في منطقة بالغة الحساسية.

هذا التقاطع بين الأجندات الإيرانية والطموحات الحزبية للإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية السودانية، دفع بالولايات المتحدة نحو تشديد قبضتها وفرض عقوبات دولية، خاصة بعد تصنيف أطراف مسلحة معينة كمنظمات إرهابية.

يجد البرهان نفسه اليوم أمام مأزق تاريخي؛ فهو لا يستطيع التخلي عن المليشيات التي تحميه ميدانيًا من جهة، ولا يمكنه تحمل تبعات العزلة الدولية التي تزيد من انهيار الاقتصاد السوداني وتجعل من إعادة الإعمار أمرًا مستحيلاً، مما يضع السودان أمام كوارث إنسانية غير مسبوقة تزداد حدتها مع كل يوم يرفض فيه القيادة الحالية الانحياز لمطالب الشعب السوداني بدلاً من المطالب الحزبية.

مؤسسات الدولة في قبضة “الولاء التنظيمي”

تعد الأزمة التي تعصف بالجيش السوداني حاليًا نتاجًا طبيعيًا لسياسات التجنيد القائمة على الولاءات العقائدية التي سادت خلال عقود حكم عمر البشير، حيث تشير شهادات ضباط سابقين إلى أن هيكل المؤسسة العسكرية ما يزال مخترقًا من قبل عناصر “الإنقاذ” الذين يعملون على إطالة أمد الحرب لخدمة أجندات تنظيمية.

إن محاولات البرهان القيام بعمليات “تطهير شكلية” داخل الجيش أثبتت فشلها الذريع أمام القوة الضاربة التي تتمتع بها هذه الجماعات داخل مفاصل الدولة، مما يعني أن البرهان أصبح أسيرًا لتحالف يزداد تكلفته يومًا بعد يوم، مع تراجع كامل في القدرة على اتخاذ قرارات وطنية خالصة تضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار حزبي.

إن العزلة الدولية لا تعني فقط وقف المساعدات أو فرض العقوبات، بل تعني فقدان السودان لمكانته الطبيعية كفاعل إقليمي، حيث أدت تصريحات قيادات مرتبطة بالحركة الإسلامية المؤيدة لطهران إلى وضع البلاد في موقف المحرج أمام المجتمع الدولي، مما دفع بورتسودان إلى اتخاذ إجراءات أمنية مرتبكة، مثل اعتقال بعض القيادات التي تجاوزت حدود التحريض، ولكن هذه الخطوات لا تعدو كونها “مسكنات” لمشكلة هيكلية في بنية التحالفات التي يتبناها البرهان.

إن استمرار هذا الارتهان للمليشيات يعني أن الدولة السودانية تتجه بخطوات متسارعة نحو سيناريو “الدولة المارقة” التي تجد نفسها خارج نطاق التعاون الدولي، وهو ما يهدد تماسك ما تبقى من مؤسسات الدولة.

التداعيات الإنسانية وانهيار فرص السلام الدائم

بينما يغرق السودان في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، تظل فرص التسوية السياسية رهينة للمشاريع الإقليمية والمليشيات التي ترى في استمرار الحرب استمرارًا لوجودها، حيث أدى تحالف البرهان مع الإخوان إلى عرقلة كل محاولات التفاوض، مما جعل الحل السلمي أبعد من أي وقت مضى.

إن الشعب السوداني الذي يعاني من التشرد والانهيار الاقتصادي، يدفع ثمن هذه السياسات التي فضلت الحفاظ على مراكز القوى الحزبية على حساب الحفاظ على حياة المواطنين، مما يولد غضبًا شعبيًا متزايدًا قد لا يمكن احتواؤه في المدى القريب، خاصة مع فقدان الثقة في أي وعود بالتغيير تصدر عن سلطة ما تزال مرتبطة بمشاريع إقصائية.

ويبقى الخيار أمام البرهان محدودًا للغاية، فإما الانحياز لمطالب الشعب في بناء دولة وطنية عادلة بعيدًا عن أطماع التيار الإسلامي وحلفائه الإقليميين، أو المضي قدمًا في طريق العزلة الذي لن يؤدي إلا إلى تمزيق البلاد.

إن التاريخ لن يغفر لمن تسببوا في ضياع مستقبل السودان من أجل بقاء فئة معينة في السلطة، والمسؤولية اليوم تقع على عاتق كل من لديه قرار في بورتسودان للتحرر من عباءة “الكتائب” والبحث عن مخرج وطني حقيقي ينهي الحرب ويعيد السودان إلى المجتمع الدولي كدولة ذات سيادة، لا كدولة رهينة لتحالفات لا ناقة لها فيها ولا جمل، غير الخراب والدمار والعزلة الدولية.