ذات صلة

جمع

نزيف الكفاءات الطبية.. كيف يدفع “عنف المستشفيات” أطباء تونس نحو الهجرة؟

في مشهد يثير القلق العميق حول مستقبل المنظومة الصحية...

اقتصاد “الغنيمة” في العراق.. كيف حوّلت الميليشيات السلاح إلى إمبراطوريات مالية؟

يُواجه العراق منذ سنوات تحولًا خطيرًا في بنيته الاقتصادية...

سيناريو الدولة المخطوفة.. كيف استولى الإسلاميون على مفاصل قرار البرهان؟

يواجه السودان اليوم واحدةً من أحلك فترات تاريخه المعاصر،...

خلف جدران الكرملين.. لماذا قررت موسكو “سحق” خلايا الإخوان النائمة الآن؟

تتصاعد حدة التوترات الأمنية داخل الأراضي الروسية في أعقاب...

خارطة الطريق الدولية لغزة.. كيف سينتهي عصر الفوضى المسلحة في القطاع؟

تقف غزة اليوم عند منعطف تاريخي يحدد مصير ملايين...

سيناريو الدولة المخطوفة.. كيف استولى الإسلاميون على مفاصل قرار البرهان؟

يواجه السودان اليوم واحدةً من أحلك فترات تاريخه المعاصر، حيث يجد نفسه حبيس صراعات داخلية محمومة يقودها رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي لم يكتفِ بإغراق البلاد في أتون حربٍ لا تُبقي ولا تذر، بل سمح لـ”دولة الظل” المتمثلة في الحركات الإسلامية المتطرفة بالعودة للسيطرة على مفاصل الجيش ومؤسسات الدولة، مما أدى إلى حالة من التمزق المؤسسي التي أنهت فعلياً تماسك الجيش السوداني كقوة وطنية، وجعلته أداةً في يد تيارات تسعى لاستعادة حقبة الاستبداد والتمكين، بينما يقف المواطن السوداني عاجزاً وسط هذا الركام، يعاني من ويلات نزوحٍ لم يسبق له مثيل، وانعدامٍ لأبسط مقومات الحياة الإنسانية، في وقتٍ تفتقر فيه قيادة البلاد إلى أي رؤية وطنية تُخرج الدولة من هذا النفق المظلم.

إن تصاعد حدة الصراع بين البرهان وهذه التيارات الإسلامية داخل أروقة القيادة العسكرية يعكس هشاشة الموقف السياسي للرجل، الذي اعتمد على تحالفات انتهازية للحفاظ على كرسيه، ضارباً بعرض الحائط مصلحة الوطن واستقرار مؤسساته.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن هذه الحركات قد نجحت بالفعل في اختراق هيكلية الجيش، وتوجيه مسارات الحرب بما يخدم أجندتها العقائدية، مما حوّل المؤسسة العسكرية من حامٍ للسيادة إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات السياسية، وهو ما انعكس سلباً على الأداء القتالي للجيش، وأدى إلى تآكل الثقة الشعبية في هذه المؤسسة، التي لم تعد تعبّر عن تطلعات السودانيين في بناء دولة مدنية ديمقراطية مستقرة، بل أصبحت رهينةً لولاءات ضيقة تعمّق الشرخ الاجتماعي وتطيل أمد المعاناة.

السياسات الاقتصادية للبرهان: هندسة الانهيار الشامل

في الوقت الذي يستمر فيه البرهان في صراعاته السياسية والولائية، يعاني الاقتصاد السوداني من حالة انهيار غير مسبوقة، حيث تسببت سياساته في شحٍّ حادٍّ للنقد الأجنبي، وسوء إدارةٍ فجٍّ لموارد الدولة ومقدراتها، مما دفع العملة الوطنية إلى مستويات متدنية تاريخياً، وأدى إلى ارتفاعٍ جنوني في أسعار السلع الأساسية، ليصبح المواطن السوداني غير قادرٍ على توفير وجبة يومه.

وبدلاً من وضع خطط طوارئ اقتصادية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، تواصل القيادة الحالية استنزاف الموارد في تمويل آلة الحرب والإنفاق على جيشٍ من الموالين، بينما تغرق الموانئ والمؤسسات الإنتاجية في حالة من الشلل التام، نتيجة غياب الكفاءة والفساد المستشري الذي يغذي مصلحة قلةٍ محظوظة على حساب جوع الملايين.

إن شح النقد الأجنبي ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة مباشرة لعزلة السودان الدولية التي تسببت فيها سياسات البرهان، الذي عجز عن الحفاظ على علاقات بناءة مع المحيط الإقليمي والدولي، مفضلاً المضي قدماً في خيارات صدامية لا طائل منها، مما دفع المؤسسات المالية العالمية إلى تعليق تعاملاتها مع الخرطوم، ليجد السودان نفسه خارج دائرة الاقتصاد العالمي، وهو ما يضاعف من معاناة الفئات الضعيفة التي تكتوي بنيران التضخم ونقص الخدمات الأساسية، من صحةٍ وتعليم، اللذين أصبحا رفاهيةً لا يقدر عليها المواطن في ظل نظام يفتقر إلى أدنى درجات المسؤولية الأخلاقية أو الوطنية في إدارة أزمات الدولة الاقتصادية.

دولة الظل: كيف أُفرغت المؤسسات من دورها الوطني؟

لا يمكن فصل الانهيار الأمني عن الانهيار المؤسسي، إذ إن تمكين الحركات الإسلامية داخل أجهزة الدولة، تحت سمع وبصر البرهان، أدى إلى إفراغ هذه المؤسسات من دورها الوطني المحايد، فأصبح التعيين داخل المناصب الحساسة يعتمد على الولاء العقائدي للتنظيم بدلاً من الكفاءة أو الخدمة الوطنية.

وهذا التغلغل لم يقتصر فقط على الجيش، بل امتد ليشمل الأجهزة الأمنية والقضائية، مما خلق حالةً من التوجس داخل صفوف الضباط والجنود الذين يرفضون هذه الهيمنة، وأدى في النهاية إلى حالة من الانقسام الداخلي الذي يضعف القدرة على اتخاذ قرارات موحدة في ظل التحديات الجسيمة التي تواجه البلاد، وهي استراتيجية تعتمدها الحركات الإسلامية لإبقاء الدولة في حالة ضعفٍ دائم، لضمان استمرار سيطرتها من “خلف الستار”.

هذا الصراع المستتر بين البرهان وتلك القوى، والذي يظهر أحياناً في شكل تصريحات متناقضة أو قرارات إدارية متخبطة، يعبر عن محاولة يائسة من القيادة العسكرية للسيطرة على “وحش” ساهمت هي في تغذيته، ولكن دون جدوى، فالحركات الإسلامية باتت تمتلك خيوط اللعبة في مفاصل الجيش، مما يعني أن البرهان أصبح اليوم أسيراً لقراراتهم، وهو ما يفسر استمرار الحرب وتصاعد خطاب التطرف، الذي يخدم في المقام الأول تلك الجماعات الساعية إلى تأجيج مشاعر الكراهية وتفكيك المجتمع، بينما يغيب أي صوت للحكمة أو السلام، الذي كان من الممكن أن يجنب السودان هذا الدمار الشامل الذي حوّل مدنه إلى خرائب وأهله إلى نازحين ولاجئين.

فاتورة الدم والدمار: السودان إلى أين؟

إن استمرار هذا الوضع يعني مزيداً من التآكل في جسد الدولة، ومزيداً من النزيف البشري الذي يشهده السودان كل يوم، حيث تضيع أرواح الأبرياء في حروب عبثية لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وكل ذلك من أجل تثبيت سلطة متهالكة لا تجيد إلا القمع والتدمير.

فمعاناة النازحين في المعسكرات، وغياب الرعاية الصحية في المناطق المشتعلة، وتفشي الأوبئة، ليست مجرد أرقام في تقارير إنسانية، بل هي انعكاس حقيقي لفشل إدارة البرهان في حماية مواطنيه، بل وفي تدميرهم.

واليوم، يتساءل ملايين السودانيين عن الجدوى من هذا الصراع، وعن المستقبل الذي ينتظر أجيالاً وُلدت في ظل الرصاص ولم تعرف معنى الأمان، بينما تواصل قيادة البلاد التمسك بمواقعها، رغم أن سفينة الوطن تغرق في بحرٍ من الفوضى والفقر والضياع.

إن الخروج من هذه الكارثة يتطلب اعترافاً صريحاً بالفشل في إدارة الدولة، وضرورة التخلص من هيمنة قوى الظلام التي تتاجر بدماء السودانيين، والعودة إلى مسار وطني خالص يضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار، بعيداً عن أطماع الحركات الأيديولوجية أو المصالح الشخصية الضيقة.

فالمعركة الحقيقية ليست معركة بقاء في السلطة، بل هي معركة وجود لدولة السودان التي أوشكت على الضياع، وإن لم تكن هناك إرادة حقيقية للتغيير والبدء في تفكيك منظومة الفساد والتمكين التي أسس لها البرهان وحلفاؤه، فإن السودان سيظل رهينة هذا النفق المظلم، مع مزيدٍ من التفكك، ومزيدٍ من الدمار، ومزيدٍ من الألم لملايين السودانيين الذين يدفعون ضريبةً باهظة ثمن هذه السياسات الطائشة.