تعيش الدولة اللبنانية لحظات مفصلية في تاريخها الحديث، حيث كشفت العقوبات الأمريكية الأخيرة، التي طالت تسعة مسؤولين بارزين من حزب الله وحلفائه وضباطًا في أجهزة أمنية رسمية، عن حجم الاختراق العميق الذي تعاني منه مؤسسات الدولة نتيجة سياسات الهيمنة التي يمارسها الحزب.
ولم تكن هذه العقوبات مجرد إجراء مالي عابر، بل جاءت لتؤكد حقيقة مريرة يدركها المواطن اللبناني قبل المجتمع الدولي، وهي أن مفاصل الدولة الأمنية والسياسية باتت رهينة لأجندة حزب الله، الذي يرفض الانصياع لمنطق الدولة أو الانخراط في مسارات السلام، مفضلاً المضي قدماً في سياسة “الاختطاف” التي تضع لبنان أمام عزلة دولية خانقة.
إن هذا التغلغل لم يعد خافيًا على أحد، حيث انتقل حزب الله من كونه قوة مسلحة خارج إطار الدولة إلى كيان يمتلك مفاتيح القرار داخل المؤسسات الرسمية، وهو ما وثقته وزارة الخزانة الأمريكية عبر اتهام مسؤولين في الجيش والأمن العام بمشاركة معلومات حساسة وتسهيل مهام الحزب، مما حول هذه الأجهزة إلى أذرع تنفيذية تخدم أهداف الحزب العبثية، وبدلاً من أن تكون هذه المؤسسات حامية للسيادة الوطنية، أصبحت واجهة يختبئ خلفها الحزب لضمان بقائه مسيطرًا على المشهد السياسي والعرقلة المتعمدة لكل فرص السلام والاستقرار في البلاد.
الاختراق الأمني: كيف تحولت أجهزة الدولة إلى خدمة الحزب؟
تشير المعطيات الأخيرة إلى أن العقوبات التي استهدفت رئيس دائرة الأمن القومي في المديرية العامة للأمن العام، ورئيس فرع الضاحية الجنوبية في مديرية المخابرات، ليست سوى قمة جبل الجليد في ملف اختراق حزب الله للمؤسسات الأمنية.
فقد استطاع الحزب عبر سنوات من الضغط والترغيب والترهيب، تثبيت موالين له في مواقع حساسة تسمح له بمراقبة التحركات الأمنية والتحكم في تدفق المعلومات، مما يجعله مطلعًا بشكل مسبق على أي إجراء قد يهدد نفوذه، ويحول هذه الأجهزة إلى أداة لخدمة أجندته الخاصة بدلاً من كونها مؤسسات وطنية تخدم الشعب اللبناني.
هذا التغلغل الأمني الخطير هو المسؤول الأول عن شلل الدولة في اتخاذ أي قرار سيادي حقيقي، حيث يجد القادة الوطنيون أنفسهم أمام “دولة داخل الدولة” تفرض كلمتها بقوة السلاح، وترفض بشكل قاطع أي نقاش جدي حول نزع سلاحها، مما يعطل كل المبادرات الهادفة لوقف الحروب العبثية التي يشنها الحزب.
ففي الوقت الذي يسعى فيه اللبنانيون إلى تأمين مستقبلهم وحماية بلادهم من التورط في صراعات إقليمية، يعمل الحزب على ربط مصير المؤسسات الوطنية بمصيره الخاص، غير مكترث بالانهيار المعيشي والأمني الذي يهدد المجتمع بأسره.
عرقلة السلام: لماذا يصر حزب الله على “خيار الحرب”؟
يأتي فرض العقوبات في توقيت دقيق تزامناً مع مساعٍ دولية وإقليمية حثيثة تهدف إلى وقف الحرب وتحديد مستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل، إلا أن حزب الله قابل هذه الفرص بالرفض القاطع للمفاوضات المباشرة، معتبرًا أن أي مسار سياسي لا يمر عبر قنواته هو خيانة لمشروعه العقائدي، وهذا التعنت ليس وليد اللحظة، بل هو استراتيجية ثابتة تهدف إلى إبقاء لبنان في حالة “دولة مواجهة” دائمة لضمان استمرار مبررات وجود سلاحه الذي يرفض مناقشة وضعه أو تسليمه للدولة، مهما كانت التكلفة التي يدفعها المواطن اللبناني من دماء أبنائه وأرزاق عائلاته.
إن إصرار الحزب على عرقلة عملية السلام يضع لبنان في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، الذي لم يعد يقبل بوجود “دولة مخطوفة” تتحكم بها ميليشيا عسكرية، فالتصريحات الأمريكية الأخيرة لم تكن مواربة في وصف حزب الله كمنظمة إرهابية، مؤكدة أن نزع سلاحه بالكامل هو ضرورة لا غنى عنها لأي استقرار مستقبلي، وهذا الموقف الدولي الموحد تجاه الحزب يأتي كرد فعل طبيعي على ممارساته التي دمرت مفهوم الدولة، وحولت لبنان من بلد كان يُعرف بـ “سويسرا الشرق” إلى منصة لشن الهجمات وساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
الحصار المالي: ضرب الآليات المالية للتنظيم
تتكامل العقوبات الأمنية مع استراتيجية أمريكية أوسع تهدف إلى تجفيف منابع التمويل المالي لحزب الله، حيث رصدت الإدارة الأمريكية مكافآت مالية تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي إلى تعطيل الآليات المالية للحزب، مما يعكس جدية واشنطن في ضرب البنية التحتية الاقتصادية التي يرتكز عليها الحزب لتمويل أنشطته السياسية والعسكرية.
فالحزب الذي يتغنى بـ “المقاومة” يمتلك شبكة مالية معقدة تمتد إلى خارج الحدود وتستخدم الاقتصاد اللبناني كغطاء لعمليات مشبوهة، وهو ما أدى إلى توريط القطاع المصرفي اللبناني في دوامة من الأزمات مع المؤسسات المالية العالمية.
إن استهداف شخصيات بارزة، منها نواب في البرلمان ووزراء سابقون وشخصيات من حركة أمل المتحالفة معه، يعزز من عزلة الحزب السياسية، فالعقوبات اليوم لم تعد تطال الجناح العسكري فحسب، بل وصلت إلى “الواجهات السياسية” التي كانت تستخدم الشرعية البرلمانية لحماية أنشطته، وهذا يعني أن زمن “الغطاء السياسي” الذي كان يتمتع به الحزب قد بدأ في التآكل، وأن المسؤولين الذين ظنوا أن حصانتهم النيابية ستحميهم من المساءلة الدولية قد وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد لا مكان فيه للمتسترين على سلاح لا يخدم سوى أجندات خارجية، بعيدًا عن مصالح لبنان العليا.
إن التساؤل الجوهري الذي يطرحه اللبنانيون اليوم هو: إلى متى ستظل الدولة أسيرة لهذا النفوذ؟ الجواب يكمن في إرادة التغيير التي بدأت تتبلور لدى شريحة واسعة من الشعب اللبناني التي أدركت أن الحل لا يمكن أن يأتي إلا من خلال استعادة السيادة الوطنية ونزع السلاح غير الشرعي.
فالعقوبات الأمريكية، رغم قسوتها وتداعياتها الاقتصادية، هي في جوهرها جرس إنذار أخير للمؤسسات اللبنانية بأن عليها الاختيار بين أن تكون جزءاً من الدولة أو أن تستمر في كونها رهينة للحزب، والمستقبل لن يرحم من ساهم في اختطاف لبنان.
وتبقى المسؤولية التاريخية ملقاة على عاتق القوى السياسية الوطنية والقيادات الأمنية الشريفة لقطع دابر التغلغل الحزبي داخل مفاصل الدولة، فلبنان لا يمكنه العيش كدولة طبيعية طالما بقيت قراراته السياسية والأمنية رهينة في يد تنظيم لا يعترف بالحدود ولا بالدولة، إن الاستجابة للضغوط الدولية وتطبيق القرارات السيادية ليس خيارًا بل هو طريق الخلاص الوحيد لمنع سقوط لبنان في غياهب المجهول، فاستعادة الدولة تبدأ بإنهاء زمن “المخطوف” والعودة إلى زمن “المؤسسات” التي تحمي الجميع وتخضع لقانون واحد يطبق على الجميع دون استثناء.

