في خطوة تعكس تحولًا لافتًا في مقاربة الأمن القومي، وقّع دونالد ترامب استراتيجية وطنية جديدة لمكافحة الإرهاب، تضع حماية الداخل الأميركي في صدارة الأولويات، مع توسيع نطاق المواجهة ليشمل تهديدات عابرة للحدود تتراوح بين كارتيلات المخدرات والتنظيمات المتطرفة.
تأتي هذه الوثيقة في لحظة تتسم بتعقيد المشهد الأمني العالمي، حيث تتداخل الجريمة المنظمة مع الإرهاب، وتتقاطع الشبكات الإجرامية مع أجندات سياسية وأيديولوجية.
الاستراتيجية، التي كُشف عن ملامحها عبر تصريحات مستشار البيت الأبيض لمكافحة الإرهاب سيباستيان غوركا، تنطلق من مبدأ أساسي مفاده أن حماية الأراضي الأميركية تتطلب تحركًا استباقيًا، لا يكتفي برد الفعل، بل يسعى إلى تحييد مصادر التهديد قبل وصولها إلى الداخل.
من هذا المنطلق، أعادت واشنطن ترتيب أولوياتها، مركزة بشكل غير مسبوق على ما يحدث داخل نصف الكرة الغربي، باعتباره خط الدفاع الأول عن الأمن الأميركي.
نصف الكرة الغربي في قلب المواجهة
وتضع الوثيقة الجديدة كارتيلات المخدرات في صدارة التهديدات، ليس فقط كشبكات تهريب، بل ككيانات تمتلك قدرات تنظيمية وعسكرية تقترب من نماذج الجماعات الإرهابية.
وترى الإدارة الأميركية، أن هذه الكارتيلات لا تكتفي بتهريب المخدرات، بل تنخرط في الاتجار بالبشر وتهريب العناصر الخطرة، ما يجعلها تهديدًا مركبًا يتطلب أدوات مواجهة متعددة.
وبحسب الرؤية الجديدة، ستعمل الولايات المتحدة على شلّ قدرات هذه الشبكات عبر مزيج من الإجراءات الأمنية والاقتصادية والاستخباراتية، بما يضمن تقليص قدرتها على اختراق الحدود أو التأثير في الداخل الأميركي، كما تسعى الاستراتيجية إلى تعزيز التعاون مع دول المنطقة، بهدف بناء جبهة إقليمية قادرة على احتواء هذه التهديدات من منابعها.
هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن التهديدات لم تعد تأتي فقط من مناطق النزاع التقليدية، بل من شبكات إجرامية متجذرة في الجوار الجغرافي، ما يستدعي إعادة تعريف مفهوم الإرهاب ليشمل أنماطا جديدة من التهديدات الهجينة.
من الداخل إلى الخارج.. توسيع نطاق الاستهداف
وعلى الصعيد الداخلي، تركز الاستراتيجية على ما تصفه بـ”الجماعات السياسية العنيفة”، سواء كانت ذات توجهات فوضوية أو أيديولوجيات معادية للدولة، وتشدد على استخدام كافة الأدوات القانونية المتاحة لرصد هذه الجماعات، وتعقب شبكاتها، وقطع صلاتها الدولية، في محاولة لمنع تحولها إلى تهديد فعلي.
وفي السياق ذاته، تؤكد الخطة استمرار الضغط على التنظيمات المتطرفة العالمية، وعلى رأسها تنظيم القاعدة، عبر عمليات استهداف وتفكيك مستمرة، بالتوازي مع ملاحقة مصادر تمويلها وشبكات دعمها.
كما تمتد الاستراتيجية إلى ساحات خارجية حساسة، من بينها مضيق هرمز، حيث تربط واشنطن بين أمن الملاحة والتهديدات الإرهابية، خاصة تلك المرتبطة بإيران وشبكاتها الإقليمية، ومن المنتظر أن تبحث الولايات المتحدة مع شركائها الدوليين سبل تعزيز التعاون في هذا المجال، بما يضمن حماية طرق التجارة والطاقة العالمية.

