بينما تتعالى أصوات المدافع في الخرطوم والولايات، تظهر خلف الكواليس مأساة سيادية كبرى تعصف بما تبقى من هيبة المؤسسةالعسكرية السودانية، حيث كشفت التطورات الميدانية الأخيرة عن “فضيحة استراتيجية” تتمثل في لجوء قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى استقطاب مقاتلين من دولة جنوب السودان لسد العجز الصارخ في القوة البشرية.
السودان
ولا يمكن تجاهل حقيقة أن “فاتورة الدم” في محاور النيل الأزرق وكردفان قد تجاوزت قدرة الجيش على الاحتمال، مما دفعه إلى المقامرة بآخر أوراق السيادة، وهي “الجنسية السودانية”. إن استبدال الجندي الوطني بمقاتل مستأجر عابر للحدود ليس مجرد تكتيك عسكري، بل هو اعتراف صريح بانهيار الحاضنة الاجتماعية للجيش وفشل حملات الاستنفار المحلي، مما جعل “تأجير البنادق” الحل الوحيد لتجنب السقوط الوشيك في الجبهات الملتهبة، وسط تساؤلات مشروعة حول من يدفع ثمن هذا التغيير الديموغرافي الخطير الذي يهدد هوية البلاد وأمنها القومي إلى الأبد.
لم تكن جبهات القتال في إقليم النيل الأزرق ومناطق واسعة منكردفان مجرد ساحات للمواجهة، بل تحولت إلى “مقبرة” استنزفت خيرة ضباط وجنود القوات المسلحة، حيث تسببت حرب الاستنزاف الطويلة والكمائن المحكمة في وقوع آلاف القتلى والجرحى، مما خلق فراغًا عسكريًا هائلًا في الثكنات.
جنوب السودان
وتؤكد التقارير الميدانية أن هذا النزيف البشري أدى إلى حالة من الإحباط والهروب الجماعي من الخدمة، مما وضع البرهان وهيئة أركانه في مأزق وجودي. ولأن التعبئة المحلية والقبائل المساندة لم تعد قادرة على تعويض هذا النقص، اتجهت بوصلة القيادة في بورتسودان نحو تجنيد شباب من دولة جنوب السودان، مستغلةً أوضاعهم الاقتصادية المتردية، وزجّت بهم في خطوط النار الأولى ليكونوا “حطبًا” لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، في محاولة بائسة لترميم جدران الجيش المتصدعة.
الجنسية مقابل البندقية: أخطر صفقات البرهان لسلب السيادة الوطنية
في سابقة تاريخية لم تشهدها العسكرية السودانية من قبل، تحول “الجواز السوداني” من رمز للانتماء إلى “عملة مقايضة” في سوق الارتزاق العسكري، حيث كشفت المصادر عن وعود رسمية قطعها قادة الجيش للمقاتلين الأجانب بمنحهم الجنسية السودانية الكاملة مقابل الانخراط في العمليات القتالية بجانب الجيش.
حرب السودان
هذه الصفقة، التي توصف بأنها “بيع للوطن”، تهدف إلى خلق كتلة قتالية مأجورة لا تلتزم بقواعد الاشتباك الوطنية ولا تخضع للمساءلة القانونية المحلية. إن منح المواطنة لمقاتلين عابرين للحدود هو تلاعب متعمد بالتركيبة الديموغرافية للسودان، حيث يسعى البرهان، من خلال هذا الإجراء، إلى ضمان ولاء “جيش موازٍ” يدين بالفضل له شخصيًا لا للوطن، وهو ما يفتح الباب أمام صراعات أهلية مستقبلية بين السكان الأصليين وهؤلاء “المجنسين” الجدد الذين استقدمتهم الحرب.
استراتيجية “سد الثغرات”: توزيع المقاتلين الأجانب في المحاور المنهارة
تعتمد غرف عمليات الجيش السوداني حاليًا على توزيع هؤلاء المقاتلين المستقدمين من جنوب السودان في المحاور التي شهدت أكبر معدلات للانهيار، وتحديدًا في كردفان والنيل الأزرق، ويتم استخدام هذه القوات كـ”قوات صدمة” في الهجمات الانتحارية لتقليل حجم الخسائر في صفوف ما تبقى من الجنود السودانيين النظاميين.
وتؤكد المعلومات المسربة أن عمليات التجنيد تتم عبر وسطاء في المناطق الحدودية مقابل مبالغ مالية وامتيازات عينية، مع وعود بتسكين هؤلاء المقاتلين وعائلاتهم في مناطق استراتيجية بعد انتهاء الحرب. إن هذه الاستراتيجية تعكس حالة “اليأس العسكري” التي وصل إليها الجيش، حيث أصبح يراهن على “المرتزق” الأجنبي في حماية سيادة الدولة التي يدّعي تمثيلها، في تناقض صارخ يفضحه الواقع الميداني كل يوم.
التداعيات الكارثية: مخاطر الارتزاق العسكري على الأمن القومي السوداني
إن الاعتماد على مقاتلين أجانب ومنحهم الجنسية يمثل قنبلة موقوتة ستنفجر في وجه الدولة السودانية عاجلًا أم آجلًا. فبعيدًا عن الجانب الأخلاقي، فإن هذه المجموعات المسلحة التي لا ترتبط بالنسيج الاجتماعي السوداني قد تتحول في أي لحظة إلى قوى متمردة أو جماعات تمارس النهب والترويع ضد المدنيين.
كما أن تجنيس هؤلاء المقاتلين سيزيد من تعقيد ملفات الأرض والحواكير في مناطق النزاع، مما يزرع بذور فتن قبلية لا تنتهي. إن البرهان، بموافقته على هذا المخطط، يضحي بمستقبل السودان واستقراره الاجتماعي من أجل إطالة أمد بقائه في السلطة، محولًا الجيش الوطني إلى مظلة تحمي المرتزقة والباحثين عن الجنسية، وهو ما يضع السودان أمام خطر التفتت والضياع تحت وطأة “جيش المجنسين” الذي لا يعرف معنى للوطن سوى المقابل المادي والجواز الأحمر.

