ذات صلة

جمع

هل ينجح رئيس “روستيك” في ترميم سمعة السلاح الروسي دوليًا؟

في الوقت الذي تنشغل فيه المصانع العسكرية الروسية بتلبية احتياجات الجبهة المشتعلة في أوكرانيا، يبرز السؤال في أروقة الكرملين ودوائر صنع القرار العالمي، هل تستطيع موسكو الحفاظ على مكانتها كقطب رئيسي في تجارة السلاح الدولية؟ حيث أنه لم يعد التنافس اليوم مجرد أرقام في دفاتر الصادرات، بل تحول إلى معركة وجودية يقودها سيرجي تشيميزوف، الرئيس التنفيذي لعملاق الصناعات الدفاعية “روستيك”، لترميم سمعة السلاح الروسي التي تضررت بفعل العقوبات الغربية وتأخر سلاسل التوريد.

إن “خارطة طريق تشيميزوف” ليست مجرد خطة تسويقية، بل هي محاولة لإعادة صياغة تموضع روسيا العسكري في دول “الجنوب العالمي”، في ظل صراع محموم مع فرنسا التي نجحت في انتزاع المركز الثاني عالميًا.

كيف فقدت روسيا مركزها الثاني لمصلحة فرنسا؟

تشير البيانات الصادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) إلى تراجع حاد في حصة روسيا من سوق السلاح العالمي، حيث انخفضت الصادرات بنسبة تزيد عن 60% في السنوات الأخيرة، لتهبط حصتها السوقية من 21% في عام 2015 إلى أقل من 8% في عام 2024.

هذا التراجع الدراماتيكي مفسر بوضوح من خلال استنزاف الموارد في “العملية العسكرية الخاصة” داخل أوكرانيا، مما اضطر الكرملين إلى إعطاء الأولوية القصوى للاستهلاك المحلي على حساب العقود الدولية المبرمة مع حلفاء تقليديين مثل الهند.

وفي المقابل، استغلت باريس هذا الفراغ بذكاء شديد، حيث نجحت طائرات “الرافال” والأنظمة البحرية الفرنسية في اختراق أسواق كانت تُحسب تاريخيًا على موسكو، مما وضع روسيا في المركز الثالث عالمياً للمرة الأولى منذ عقود.

ومع ذلك، يرفض تشيميزوف الاعتراف بالهزيمة، مؤكدًا أن روسيا تمتلك إمكانات تكنولوجية وخبرات قتالية حديثة ستكون هي المفتاح لاستعادة مكانتها بمجرد استقرار سلاسل الإنتاج وتوجيه الفائض نحو التصدير.

إستراتيجية “الجنوب العالمي” والرهان على تكتل البريكس

تعتمد خارطة طريق “روستيك” الجديدة بشكل أساسي على تنويع قاعدة العملاء والتركيز على الدول النامية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهو ما تصفه موسكو بـ “الجنوب العالمي”.

يرى تشيميزوف، أن هذه الدول تبحث عن استقلالية قرارها العسكري بعيدًا عن الشروط السياسية التي تفرضها واشنطن، وهنا تبرز الميزة التنافسية للسلاح الروسي الذي يُقدم بأسعار تنافسية وبدون قيود أيديولوجية.

ولتحقيق هذا الاختراق، فعلت “روستيك” شراكاتها مع معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية (MGIMO) لتدريب كوادر قادرة على إبرام صفقات معقدة داخل منظمة “بريكس” ومنظمة “شنغهاي” للتعاون.

إن الرهان الروسي يتجاوز بيع العتاد التقليدي إلى تقديم حزم متكاملة من نقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك، وهو ما يغري دولاً مثل الجزائر ومصر وفيتنام، التي تسعى لتطوير صناعاتها الدفاعية المحلية بالتعاون مع شريك تكنولوجي موثوق لا يستخدم السلاح كأداة للابتزاز السياسي.

عقبة التوريد وتحدي الثقة مع الشركاء التقليديين

تظل المشكلة الأكبر التي تواجه طموحات تشيميزوف هي “أزمة الثقة” الناجمة عن تأخير تسليم الطلبيات الكبرى، ولعل المثال الأبرز هو نظام الدفاع الجوي “إس 400” الذي انتظرت الهند استلام بقية بطارياته لفترات طويلة بسبب تداعيات الحرب في أوكرانيا.

هذا التأخير دفع بعض الشركاء القدامى إلى البحث عن بدائل محلية أو التوجه نحو الموردين الغربيين لتأمين احتياجاتهم العاجلة، ولعلاج هذا الخلل، تعمل “روستيك” على توسيع خطوط الإنتاج واعتماد تقنيات التصنيع السريع، مع التركيز على الأسلحة التي أثبتت كفاءة استثنائية في ساحة المعركة الأوكرانية، مثل الطائرات المسيرة “لانسيت” وأنظمة التشويش الإلكتروني، التي باتت تحظى بطلب عالمي متزايد.

إن قدرة موسكو على الوفاء بالتزاماتها الزمنية ستكون هي الاختبار الحقيقي لنجاح خارطة الطريق، فالسوق العالمي لا ينتظر، والمنافسة الفرنسية والأمريكية تتربص بأي ثغرة قد يتركها الروس.

هل تنجح تكنولوجيا “روستيك” في قلب الموازين؟

يبدو أن معركة روسيا لاستعادة المركز الثاني في سوق السلاح لن تكون سهلة، لكنها ليست مستحيلة بالنظر إلى الإصرار السياسي والموارد الهائلة التي تخصصها الدولة لهذا القطاع.

تعتمد خارطة طريق تشيميزوف على “النوعية لا الكمية”، من خلال طرح جيل جديد من الأسلحة الذكية وأنظمة الدفاع الجوي المحدثة التي استفادت من دروس الحرب الحديثة.

وبينما تستمر الولايات المتحدة في صدارة المشهد، يظل الصراع الروسي الفرنسي هو المحرك الأبرز لخارطة التوازنات العسكرية القادمة.

إن نجاح “روستيك” في ترميم سمعة السلاح الروسي دوليًا سيعتمد بشكل أساسي على قدرتها على الموازنة بين متطلبات الجبهة الداخلية وطموحات التوسع الخارجي، وفي حال نجاحها، قد نشهد عودة قوية للدب الروسي إلى منصة الوصافة، مدعومًا بتحالفات اقتصادية قوية في الشرق والجنوب تكسر طوق العزلة الغربية.

spot_img